الصواريخ البالستية.. سباق التسلح القادم في الشرق الأوسط
الصواريخ البالستية.. سباق التسلح القادم في الشرق الأوسط
عندما يتحدث النقاد عن الشرق الأوسط ما بعد أمريكا، فإنهم غالبا ما يشيرون إلى التراجع الأمريكي من المنطقة، إلى جانب عودة روسيا من جديد، بعد تدخلها الناجح وتوسعها العسكري اللاحق في سوريا.
لكن القصة الأكبر في التحول الجيوسياسي الجاري في الشرق الأوسط هي صعود القوى المحلية، وكيف تعمل بشكل متزايد خارج مدار الولايات المتحدة الاستراتيجي؛ بسبب انخفاض الثقة في القيادة الأمريكية.

وتعد حرب المملكة العربية السعودية في اليمن خير مثال على ذلك، وبعيدا عن نهجها كشريك تقليدي للولايات المتحدة، أمسكت الرياض بزمام الأمور، وقادت تدخلا في الحرب الأهلية في اليمن، بسبب شكوكها حول التزام واشنطن بالتدخل في المنطقة.

لكن بعيدا عن اليمن، كان هناك اتجاه أوسع لصنع سياسة مستقلة، والعمل بشكل منفرد، من جانب شركاء أمريكا المفترضين، وهو ما يؤكد على أن المنطقة قد ابتعدت تدريجيا عن السيطرة الأمريكية. ويتجلى هذا الاتجاه بشكل واضح في استراتيجية الدفاع الوطني، وعلى وجه التحديد السعي الذي يبذله بعض الشركاء الرئيسيين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، (إسرائيل) والسعودية والإمارات العربية المتحدة، لزيادة القدرات العسكرية الهجومية لهم، في شكل مدى أطول لأسحلتهم، وصواريخ باليستية أكثر دقة.

التحول إلى الصواريخ

وفي الشهر الماضي، قال وزير الدفاع الإسرائيلي، "أفيجدور ليبرمان"، في بيان، إن بلاده تستثمر في قوة صاروخية وقذائف أكثر دقة، قائلا: "إن مشروع إنشاء نظام صاروخي دقيق قيد التنفيذ. وقد دخل جزء منه بالفعل في مرحلة الإنتاج، وجزء آخر في المراحل الأخيرة من البحث والتطوير، ونحن نكتسب ونطور أنظمة دقيقة تسمح لجيش الدفاع الإسرائيلي بأن يغطي خلال بضعة أعوام كل نقطة في المنطقة".

وقد لا يمثل هذا تحولا كبيرا في عقيدة الدفاع الإسرائيلية، لكنه يشير إلى تغيير مهم في التخطيط الأمني، نظرا لاعتماد البلاد المعتاد على القوات الجوية، وفي بعض الأحيان البحرية، للقيام بمهام الهجوم. وإذا كانت قيادة (إسرائيل) ما زالت تؤمن بقوة بالدور الأمني ​​التقليدي لأمريكا في المنطقة، فلم تكن لتتحرك بقوة وبسرعة في هذا الاتجاه.

وقد يختلف أولئك الذين لا يتفقون مع هذا الاستنتاج مع حقيقة أن الجيش الإسرائيلي قد خطط لتطوير قوة صاروخية هجومية منذ عدة عقود. علاوة على ذلك، فإن لهذه الخطوة معنى عسكري، بغض النظر عن اعتبارات الولايات المتحدة. ولطالما تحمل سلاح الجو الإسرائيلي معظم عبء الدفاع الوطني، لذا فإن إيجاد وضع دفاعي أكثر توازنا قد يخدم الأمن القومي، وينقذ الأرواح والأموال. وفي الوقت الذي تواجه فيه (إسرائيل) تهديدات عسكرية متنامية قد تجبرها على خوض حروب على جبهات متعددة، مثل سوريا ولبنان وفلسطين، وربما إيران، يستطيع الجيش الإسرائيلي بالتأكيد استخدام مرونة وسرعة أكبر في العمليات.

ورغم أن هذا كله صحيح، إلا أنه لا يوجد شك في أن سلبية أمريكا في الشرق الأوسط في الأعوام الأخيرة قد عجلت من هذا القرار الإسرائيلي، وحولته من فكرة إلى حقيقة وواقع. ولو كانت واشنطن قد بذلت جهودا ملموسة لمنع إيران من إقامة وجود عسكري طويل الأمد في سوريا، أو كان لدى (إسرائيل) أدنى تأكد بأن واشنطن ستدعم بفعالية القضاء على البنية التحتية العسكرية الإيرانية في سوريا، لكان الجيش الإسرائيلي على الأرجح قد أوقف خيار الصواريخ الهجومية، لبعض الوقت.

وتحدث ديناميات مماثلة أيضا في شبه الجزيرة العربية. ففي حين أن شركاء أمريكا في الخليج لم يتخذوا بعد خطوات جريئة وحاسمة مثل (إسرائيل)، إلا أن هذا ليس بسبب عدم الرغبة. وفي محادثات عديدة مع القادة العسكريين الخليجيين في الأعوام الأخيرة، ظهرت وجهة نظر توافقية تفيد بأن محاولات ردع إيران عن تطوير قدراتها الصاروخية قد فشلت، وبالتالي فهي بحاجة إلى مزيج من القوة أكثر تنوعا. وكانت دول السعودية والإمارات تشتري أفضل الأسلحة المصنوعة من قبل الولايات المتحدة وتستثمر في الدفاعات الصاروخية الأكثر تطورا، ومع ذلك فإنها لا تزال تشعر بأنها لا تملك أي حل فعال لترسانة الصواريخ الهجومية الهائلة سريعة التطور في إيران. وخلص استنتاجهم أن الحل يمكن في محاربة النار بالنار، أي امتلاك قوة ردع صاروخية.

ويعد السبب الرئيسي في أن الرياض وأبوظبي لم يتابعا بعد برنامجا للصواريخ الباليستية هو أن واشنطن تمكنت لأعوام من إقناع كل منهما بعدم القيام بذلك. وكان آخر شيء تحتاج إليه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط هو سباق صاروخي هجومي، قد يقود الخصوم بسرعة إلى مواجهة عسكرية مميتة تجر واشنطن وموسكو إلى حرب بينهما. وتتفوق الصواريخ في جوهرها على بقية الأسلحة؛ بسبب قدرتها على تصعيد الصراعات بسرعة وأوقات رحلاتها القصيرة جدا فضلا عن التقنيات الجديدة التي تحسن بشكل كبير من دقتها وفعاليتها التدميرية.

زيادة المخاطر

وكما لو أن ذلك ليس مخيفا بما يكفي، فقد أصبح المستقبل النووي للشرق الأوسط أيضا غير مؤكد بشكل متزايد الآن، وذلك بعد أن انسحبت الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة، وهي الاتفاقية التي حدت من تطوير إيران لبرنامجها النووي، مقابل تخفيف العقوبات. وفي الوقت نفسه، يرى ما لا يقل عن 6 من القوى الإقليمية، بما في ذلك المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وتركيا ومصر والأردن وقطر، الطاقة النووية السلمية كحل بديل طويل الأمد عن اعتمادها على الوقود الأحفوري. وقد يؤدي نمو توليد الطاقة النووية في المنطقة إلى تفاقم خطر الانتشار النووي، حيث تستخدم التقنيات والمواد نفسها قادرة في تطوير كل من الطاقة النووية السلمية والأسلحة النووية في نفس الوقت. وإذا تم عسكرة عملية تطوير الطاقة النووية في الشرق الأوسط، فإن حيازة أساطيل الصواريخ الهجومية، التي يمكن القول إنها أكثر وسائل حمل الرؤوس النووية فعالية، قد تزيد من الخطر المحتمل.

ومثل (إسرائيل)، تتجه بعض دول الخليج نحو وضع أقوى للردع، من خلال مزيج أوسع من التقنيات الهجومية، بما في ذلك الصواريخ، لأن الدفاع الصاروخي فقط لا يبدو أنه الحل لمشكلة الصواريخ الإيرانية. علاوة على ذلك، يعد الدفاع الصاروخي مكلفا، ويأتي مع مجموعة من التحديات الخاصة به. ففي حين أن أفضل نظام دفاع صاروخي هو إنشاء نظام متكامل على المستوى الإقليمي، فإن أي أمل في إنشاء مثل هذا النظام في الخليج قد انتهى الآن بسبب النزاع المستمر بين السعودية والإمارات والبحرين من جهة، وقطر من جهة أخرى.

ومع تراجع نفوذ الولايات المتحدة في الخليج على ما يبدو، من غير المحتمل أن تسود رؤية واشنطن في الرياض وأبوظبي مثلما فعلت في الماضي. ومما لا شك فيه، فإن الدافع للاستقلال في صنع القرار المتعلق بالأمن القومي له حدوده، نظرا لاعتماد بلدان الخليج على واشنطن عسكريا، لكن الأسلحة الأمريكية ليست وحدها في الساحة، حيث تقوم كل من روسيا والصين بغزو سوق الدفاع في المنطقة في الآونة الأخيرة.

وقد لا تتمكن السعودية والإمارات من شراء صواريخ هجومية من الولايات المتحدة ودول أخرى أعضاء في نظام مراقبة تكنولوجيا القذائف، لكنهم سيجدون في الصين وباكستان، الذين ليسوا جزءا من النظام، بائعين مستعدين. ولن تضطر المملكة إلى البدء من نقطة الصفر، نظرا لأنها تمتلك عددا صغيرا من الصواريخ البالستية الصينية متوسطة المدى منذ عام 1987. ولقد عرضتها للمرة الأولى عام 2014، ربما لتخويف إيران، وإرسال رسالة إلى واشنطن بعدم الرضا عن سياسة الولايات المتحدة. وقد تكون مسألة وقت فقط قبل أن يصدر ولي العهد السعودي، ووزير الدفاع "محمد بن سلمان"، أمرا ببناء قوة صاروخية استراتيجية في البلاد.

ولطالما رغبت أمريكا في أن يتعاون شركاؤها في الشرق الأوسط، وأن يتقاسموا عبء الأمن الإقليمي. ولكن لكي ينتهي هذا النهج بشكل جيد، هناك حاجة إلى متغير واحد مهم، ألا وهو القيادة الأمريكية، التي هي حاليا غير مؤكدة في أحسن الأحوال، وغير موجودة في أسوأ الأحوال. ويتجه الشرق الأوسط إلى سباق صواريخ هجومية، ويبقى الممثل الوحيد القادر على إيقاف أو إدارة الوضع على الأقل، من خلال تعزيز السيطرة على التسلح، هو الولايات المتحدة. لكن لسوء الحظ، يبدو أن واشنطن قد ودعت المنطقة منذ فترة.
 
صحافة عربية

المصدر: الخليج الجديد

الجمعة 28 أيلول , 2018 09:27
تابعنا على
أخبار ذات صلة
صحيفة “الأخبار” اللبنانية:مفاجأة.. "ابن زايد" حضّ نتنياهو على زيارة عُمان بهدف جمع هذه المعلومات!
مزاجيته ونزعته الاستبدادية تُقلق رجال الأعمال.. هذا مصير الاستثمارات بالسعودية إذا وصل ابن سلمان للعرش.
هكذا اختل ميزان القوى في المملكة.. ابن سلمان أفرغ المؤسسة الملكية من مضمونها و سيطر على كل شيء ولا يتصور نفسه خارج السلطة.
ما هي رسائل انسحاب قطر من "أوبك".. وتأثيره على الأسواق؟
أسلحة إماراتية وسعودية في يد داعش والقاعدة
السعودية ليست دولة صناعية.. لماذا تشارك إذن في قمة G20؟
هاربون من شرق الفرات: "داعش" و"التحالف الدولي" وجهان لإرهاب واحد
تقارير إسرائيلية تؤكِّد: السيد نصر الله اتخذ قرارًا استراتيجيًّا بفتح جبهة الجولان بعد حسم مصير إدلب.
موقع “VOA” الإخباري الأميركي: قوة خليجية انتشرت شرق سوريا برعاية أميركية.. هذا ما قصده ترامب في رسالته "المبطنة" إلى أردوغان
«كنز استخباري» بيد المقاومة الفلسطينية..الوحدة الإسرائيلية قد تكون داخل غزة
الأحدث
شاشة الواقع السعودي
من نحن
.
نبذة عن الموقع
.
إتصل بنا
.
شروط الاستخدام
© 2018 - الواقع السعودي. جميع الحقوق محفوظة.
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي