واشنطن تفرض عقوباتها.. وموسكو تعلن الدفاع بمختلف الوسائل
واشنطن تفرض عقوباتها.. وموسكو تعلن الدفاع بمختلف الوسائل
وضاح عيسى : بعد أن زرعت العداء في كل مكان، لم تدخر الولايات المتحدة طريقاً للعودة في علاقاتها مع الدول، فمنذ أن تسلمت إدارة الرئيس دونالد ترامب مقاليد السلطة شنت – في إطار السياسة الاقتصادية التي تنتهجها لتغطية العجز الأمريكي- حربها التجارية على معظم الدول من دون أن تستثني أحداً منها حتى حلفاءها، وبدأت حرب الضرائب بين الولايات المتحدة وتلك الدول تأخذ مسار التأزم في العلاقات حتى وصلت إلى طرق مسدودة لا يمكن الرجوع بعدها مع اختفاء كل سبل إمكانية إعادتها إلى ما كانت عليه ولو بالحد الأدنى في ظل التعنت الأمريكي وإصراره على نهجه الجديد المتبع بحق الدول.
وآخر ما حرر على صعيد فرض الولايات المتحدة عقوبات جديدة على الدول، ما قامت به ضد روسيا بذريعة استخدامها المزعوم لـ «أسلحة كيميائية» في مدينة سالزبوري البريطانية والتي دخلت حيز التنفيذ فجر يوم الـ 27 من شهر آب وتشمل حظر توريد السلاح وبضائع الاستخدام المزدوج إلى الجانب الروسي وإقراض الدولة الروسية من المؤسسات الحكومية الأمريكية.. وبموجب العقوبات الأمريكية الجديدة يجب على واشنطن «إنهاء أي مساعدة أمريكية لروسيا بموجب قانون المعونة الأجنبية لعام 1961، باستثناء المساعدات الإنسانية العاجلة والغذاء والمنتجات الزراعية الأخرى»، وفي الحقيقة إن هذه المساعدات غير قائمة ولا وجود لها أصلاً، وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وصف هذه العقوبات في وقت سابق بأنها «غير مجدية وعديمة المعنى وغير قانونية» معرباً في الوقت نفسه عن أمله في أن تدرك الولايات المتحدة فشل مثل هذه السياسة، بينما لفت نائب وزير خارجيته سيرغي ريابكوف إلى أن رد فعل موسكو لن يكون مماثلاً بالضرورة، لكنه بيّن إمكانية الرد بشكل متناظر، وبشكل غير متماثل، ومن خلال توسيع القوائم الخاصة بصانعي السياسات في الولايات المتحدة.

وتعقيباً على التصرفات الأمريكية الجديدة، التي ترى موسكو أنها تزيد من صعوبة الحوار بين البلدين، أكدت روسيا أن فرض الولايات المتحدة عقوبات جديدة ضدها على خلفية قضية سيرغي سكريبال لن تدفعها للتخلي عن حماية مصالحها، وقالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا: «استفادة من الذريعة المبتكرة تماماً الخاصة بما يسمى قضية سكريبال، التي يقع التحقيق فيها في بريطانيا بعيداً عن انتهائه، يجري اتهامنا بالتورط في المأساة التي حصلت في سالزبوري بالتشكيك في إتلاف روسيا ترساناتها للأسلحة الكيميائية، إلا أن ذلك يتم وفقاً للتقليد الذي أصبح ثابتاً، من دون تقديم أي أدلة، بينما تطالب موسكو بالاعتراف الصريح (بمسؤوليتها عن الحادث) ومنح الوصول إلى مواقعها الكيميائية بلا شروط..على الرغم من أن كل الاتهامات التي تم إعلانها وهمية، إلا أن الإجراءات التقييدية المفروضة اليوم واقعية بما فيه الكفاية، بصرف النظر عن تكرارها للعقوبات التي تم تطبيقها سابقاً، منها وقف برامج المساعدة التقنية وحظر بيع البضائع ذات الاستخدام العسكري لروسيا ووقف تمويل البرامج العسكرية الروسية، وتعليق تقديم القروض الحكومية والمساعدة المالية لنا، تجميد منح التراخيص من قبل وزارة التجارة الأمريكية لتوريد السلع والتكنولوجيات ذات الاستخدام المزدوج (العسكري والمدني) إلى الشركات الروسية الحكومية أو تلك التي تحصل على تمويل من الدولة».

ورأت زاخاروفا أن «الاستثناءات المنصوص عليها في نظام الإجراءات التقييدية، التي تشمل التوريدات في قطاع البرامج الفضائية ومجال ضمان أمن تحليقات الطيران المدني، تؤكد نفاق السلطات الأمريكية وانحيازها»، وشددت على أن موسكو «ترى أن قرار واشنطن ليس إلا جزءاً من السياسة المغرضة الرامية لتشويش النظام الدولي لمراقبة الأسلحة وعدم انتشارها، بما في ذلك في مجال حظر السلاح الكيميائي»، وأوضحت أن «روسيا، وعلى خلاف الولايات المتحدة، لا تزال متمسكة بالتزاماتها، حيث دمرنا بشكل كامل قدراتنا الكيميائية العسكرية، الأمر الذي تم توثيقه بشكل مناسب بما في ذلك من قبل الخبراء الأمريكيين» مبينة أن «واشنطن ومن خلال مثل هذه الخطوات تزيد من صعوبة إمكانات الحوار حول القضايا القائمة في إطار العلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف».

وهنا لابد من لفت الانتباه إلى أن العقوبات الأمريكية الجديدة يعارضها معظم الأمريكيين الذين يرون ضرورة تحسين واشنطن لعلاقاتها مع روسيا، وتخفيف العقوبات ضدها، وفقاً لاستطلاع للرأي نظمه معهد «غالوب» الأمريكي للدراسات الاجتماعية، بينما ترى موسكو فيها أن الولايات المتحدة تقترب من نقطة اللا عودة وأن الوضع الحالي للعلاقات الروسية – الأمريكية هو تجسيد لأسوأ سيناريوهات الحرب الباردة، ففي بيان للسفارة الروسية لدى الولايات المتحدة، نشرته عقب دخول العقوبات الأمريكية حيز التنفيذ على حسابها الرسمي على «فيسبوك»: أصدرت الولايات المتحدة حزمة جديدة من عقوباتها غير الشرعية المفروضة على روسيا، ويتشكل انطباع بأن النخبة السياسية المحلية تعاني الميل المرضي إلى تدمير الأسس الجوهرية للعلاقات الثنائية التي يعتمد عليها الأمن العالمي.

وأضافت: إن القرارات تتخذ من دون سعي لكشف الحقيقة ومع إهمال دعواتنا إلى الحوار بغياب أي أدلة واقعية على ما يسمى مسؤولية روسيا، والاتهامات العبثية المنسوبة إلى بلادنا يجري الترويج لها على يد أبرز وسائل الإعلام الأمريكية.. وأن النخب السياسية لا تلاحظ أن كل نوبة جديدة لحمى العقوبات تجعل الولايات المتحدة أقرب إلى نقطة اللاعودة في حل القرارات الدولية الحيوية، من بينها مكافحة الإرهاب المشتركة وخطر وقوع أسلحة الدمار الشامل في أيدي كيانات غير حكومية.

وأكدت السفارة أن روسيا ترفض الخطوات غير الودية التي تتخذها واشنطن، مشددة على أن ما يجري هو «تجسيد لأسوأ السيناريوهات للحرب الباردة التي كان يجب أن يتخلص منها العالم للأبد منذ 30 عاماً».

وأعلنت روسيا دفاعها عن أمنها بكل الوسائل بما فيها العسكرية، إن تطلب الأمر ذلك، مؤكدة العمل على إعداد إجراءات فعالة ومواصلة حماية مصالحها وأمنها بالوسائل الاقتصادية والعسكرية، وهذا ما أكده نائب وزير خارجيتها سيرغي ريابكوف، في مقابلة مع قناة «روسيا-1» بقوله: «هل ترون حقاً أننا لن نتمكن من التعامل مع موجة أو حتى 5 موجات من العقوبات؟ نعم، علينا الاستعداد لذلك، ونحن نستعد».

وأعاد ريابكوف التذكير بما قاله الرئيس بوتين في رسالته إلى المجلس الفدرالي في إشارة إلى العالم أجمع، وبالدرجة الأولى الولايات المتحدة، ويكمن مفادها في «أننا سندافع عن أمننا في أي حال من الأحوال بما في ذلك عبر الوسائل العسكرية»، مؤكداً أن «الدبلوماسية الروسية أيضاً لا تتنازل وإنما تواصل النضال من أجل تعزيز مواقع روسيا في العالم في جميع الاتجاهات».

لاشك في أن فرض الولايات المتحدة عقوباتها الجديدة ووعيدها بفرض حزمة عقوبات ثانية، ستكون له نتائج عكسية كارثية على الولايات المتحدة التي تشنّ حربها الاقتصادية على العالم، ولاسيما أن تلك الدول اتخذت إجراءات جوابية على ما تفرضه واشنطن عليها من عقوبات.. وروسيا اليوم أيضاً أعلنت دفاعها المستميت عن أمنها في مواجهة تصرفات الولايات المتحدة غير الشرعية وغير الموضوعية التي أوصلت علاقاتها مع روسيا إلى نقطة اللاعودة بصورة تجسد سيناريوهات الحرب الباردة، فماذا تريد واشنطن من كل تحركاتها.. ولماذا إصرارها على المضي في هذا الاتجاه وهي الخاسر الأكبر.. فهل ترتدع أم تمضي في نهجها نحو المجهول؟
أقلام حرة
 
في ٠١ أيلول ٢٠١٨ / ٠٧:١٠ ب.ظ.
التعريفات :
تابعنا على
أخبار ذات صلة
الأحدث
من نحن
.
نبذة عن الموقع
.
إتصل بنا
.
شروط الاستخدام
© ٢٠١٧ - الواقع السعودي. جميع الحقوق محفوظة.
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي