مليارات التطبيع يحرقها الشباب.. مواقف سعودية شعبية ضد (إسرائيل)
مليارات التطبيع يحرقها الشباب.. مواقف سعودية شعبية ضد (إسرائيل)
"مليارات يصرفونها للتطبيع فيحرقها شاب بكل عفوية.."، بهذه العبارة عبر ناشطون بمواقع التواصل عن ابتهاجهم بما اعتبروه حالة رفض شعبي واضح في السعودية لمساع رسمية ونخبوية للتطبيع مع (إسرائيل)، بالتزامن مع صعود ولي والعهد السعودي "محمد بن سلمان"، وشروعه في حملة وصفتها دوائر غربية وأمريكية بـ"ثورة إصلاحية".
أبرز أركان تلك "الثورة" كانت توجها سعوديا لتأطير العلاقة مع (إسرائيل) بشكل يتجاوز تقليدا سعوديا تاريخيا تأصل في الوعي الشعبي هناك بمعاداة (تل أبيب) باعتبارها كيانا محتلا، غير أن المفاهيم الجديدة لـ"حقبة ثورة التنوير" باتت تنسج مصطلحات جديدة تهتم بتحقيق تجربة تعايش سلمي بين (إسرائيل) والعرب، وصولا إلى علاقات طبيعية علنية، يراد لها أن تكون استراتيجية بين (تل أبيب) ودول الخليج، بقاطرة سعودية.

الحالة الجديدة، استدعت تدشين ما يشبه "حملة منظمة" قادتها وسائل إعلام مقربة من الديوان الملكي وولي العهد، وقادة رأي، جلهم من النخبة الليبرالية، لتسويق مفاهيم جديدة أريد لها أن تكون مقدمة لتذويب مفاهيم تربت عليها أجيال بالمملكة، من قبيل معاداة (إسرائيل) المحتلة، والقضية الفلسطينية والقدس واللاجئين وغيرها.

تركزت تلك الحملة على إلقاء الضوء على سرديات تشوه الفلسطينيين وتجعلهم السبب الرئيسي والأوحد لما آلت إليه أوضاعهم، وتؤطر لصورة أن (إسرائيل) التي كنا نعتبرها عدوا هي في الحقيقة أقرب لنا من إيران، أو على الأقل لم تضر السعودية ومنطقة الخليج والعرب عموما، بقدر ما فعلت طهران.

حدثان مهمان

لكن ثمة حدثين خلال الأيام القليلة الماضية جعلا من تلك الحملة "الليبرالية شبه الرسمية" في السعودية كمن يؤذن في "مالطة"، كما يقول المثل الدارج، وهو أمر دفع مراقبين إلى اعتبار أن الثقافة الشعبية السعودية لا تزال على عهدها بمفاهيم رفض (إسرائيل)، رغم محاولات "بن سلمان" وإعلامه ونخبته تمييع تلك الحالة، وصولا إلى محوها.

الحدث الأول كان في نهاية يوليو/تموز الماضي، حيث ابتعد طالب سعودي في محفل أولمبي عالمي، بعلم بلاده بعيدا عن طالب آخر يحمل العلم الإسرائيلي.

وخلال تكريمه مع الفائزين في الأولمبياد الدولي للكيمياء المقام في سلوفاكيا والتشيك، اصطف الطالب السعودي "بدر الملحم" إلى جانب طلبة من دول مختلفة، ليأتي طالب إسرائيلي بجانبه، وكل منهم يحمل علم بلاده.

وابتعد الطالب السعودي عن نظيره الإسرائيلي، ليصطف بعيدا عنه.

ثمة ملاحظتان مهمتان على تلك الواقعة:

أولا: تصرف الطالب السعودي لقي إشادة واسعة من قبل مغردين سعوديين وعرب، حيث أكدوا أن الشعوب العربية ترفض التطبيع مع (إسرائيل)، بينما غابت – تقريبا – مظاهر أي نقد لما فعله، رغم أنه خالف ظاهريا التوجه شبه الرسمي بالتقارب مع (تل أبيب)، وحتى مع وجود "ترسانة النخبة المطبعة والمقربة من الديوان الملكي" بكامل قوتها عبر مواقع التواصل، إلا أن الأمر مر بسلام، على الأقل في العالم الافتراضي.

ثانيا: عندما ترك الطالب السعودي مكانه بجوار الإسرائيلي وذهب إلى الناحية الأخرى، فوجئ أنه يقف بجوار المتسابق الإيراني الذي كان يرفع علم بلاده أيضا، وكان الأمر بمثابة مأزق حقيقي، لكنه لم يترجم إلى واقع عبر مواقع التواصل، فكان من المنتظر أن يتم مهاجمة الطالب، عن طريق تلك الثغرة، استغلالا للعاطفة السعودية والعداء المستحكم بين طهران والرياض، لكن ذلك أيضا لم يحدث بشكل لافت.

أما الحدث الثاني، فكان في أوائل الشهر الجاري، حيث انسحب فريق سعودي لكرة الريشة، من أمام نظيره الإسرائيلي في البطولة الدولية المقامة حاليا في أوكرانيا.

وتداول ناشطون سعوديون عبر "تويتر" مقطع فيديو يوثق لحظة انسحاب فريقهم.

ونشر حساب يحمل اسم "سعود المغيص أبويزيد"، الفيديو، وعلق عليه قائلا: "انسحاب الفريق السعودي في البطولة الدولية في أوكرانيا بعد أن وضعته القرعة إمام إسرائيل، وبعد فوزه في مبارياته، الخميس، ولاحظوا رفض حتى المصافحة.. الله أكبر".

الملاحظة الجديرة بالذكر هنا هو أن التصرف هذه المرة كان "جماعيا" وليس من فرد، ولا يتصور أن يكون هذا التصرف قد تم بمعزل عن المدرب والجهاز الفني للفريق، وهي جهة رسمية تابعة للدولة السعودية، حتى وإن كان التصرف له بعد شعبي.

أيضا كانت الإشادة بهذا التصرف حاضرة عبر "تويتر".

كل ما سبق حدث، رغم تجنيد ما يمكن اعتباره بـ"كتيبة كاملة" من صناع الرأي العام في المملكة، خلال الفترة الماضية لمحاولة حرث التربة المجتمعية السعودية لتقبل زراعة بذور الواقع الجديد القائم على تقارب استراتيجي بين السعودية و (إسرائيل).

"محمد آل الشيخ"، "عبدالحميد الحكيم"، "تركي الحمد"، "أحمد العرفج"، "منصور الخميس"، "صالح الفهيد"، "منصور النقيدان"، "سامي العثمان"، "حمزة السالم"، "سعود الفوزان"، "عبدالرحمن الراشد"، "سعاد الشمري"، هؤلاء كانوا جزءا من كتاب سعوديين امتشقوا أقلامهم، خلال الفترة الماضية، من أجل تلك المهمة.. تصفية القضية الفلسطينية والتطبيع مع (إسرائيل). (طالع المزيد)

الملك "سلمان" وابنه

من ناحية أخرى، يمكن قراءة خفوت رد الفعل الرافض للتصرفات المشرفة للمتسابق السعودي بأوليمبياد الكيمياء وفريق كرة الريشة ببطولة أوكرانيا، في سياق التقارير التي نشرت خلال الأيام القليلة الماضية عن توجه من العاهل السعودي الملك "سلمان بن عبدالعزيز" للجم التوجه الذي يقوده نجله ولي العهد "محمد بن سلمان"، في المسارعة نحو التقارب مع (إسرائيل).

البداية كانت بحديث مصادر سعودية عن رفض ولي العهد "محمد بن سلمان" مرتين لقاء صهر الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" وكبير مستشاريه، "جاريد كوشنر"، بسبب معارضة الأول بعض النقاط في "صفقة القرن"، والتي كانت ستظهر السعودية بمظهر المتنازل عن كافة حقوق الفلسطينيين التاريخية والتي أقرها المجتمع الدولي والأمم المتحدة، إرضاء للرئيس الأمريكي "دونالد ترامب".

وبحسب موقع "تاكتيكال ريبورت" الاستخباراتي، فإن المصادر عزت تراجع ولي العهد السعودي إلى ضغط من والده الملك "سلمان" ونصيحة له لعدم الاندفاع في الأمر، حتى لا تفقد المملكة دورها الريادي في القضية الفلسطينية.

وأضافت المصادر أن الملك "سلمان" أكد عدة مرات، في اجتماعات خاصة، أن الرئيس "ترامب" و"كوشنر" في حاجة إلى دعم المملكة للمضي قدمًا في هذه الصفقة، لكن يجب أن يستمعوا إلى وجهات نظرها حول شؤون الشرق الأوسط، مشددا على أن ولي العهد "يجب ألا يخرج عن سياسة المملكة في هذا الصدد".

واقعيا، يمر ملف التطبيع السعودي الإسرائيلي بمأزق مرحلي، والكلمة الأخيرة مهمة للغاية، لعدم التعويل كثيرا على استمرار ذلك الرفض، في حالة حدوث مرونة نسبية لدى واشنطن و(تل أبيب) في بعض المواقف، حيث بدا الأمريكيون والإسرائيليون وكأنهم يريدون حصد كافة المكاسب جملة واحدة وبدون تدرج، والآن.

الأهم من ذلك هو استمرار حالة الوعي الشعبي الرافض للأمر برمته، والتي تعكسها وقائع مثل متسابق أوليمبياد الكيمياء وفريق كرة الريشة، لتوضح أن قمة الجبل الظاهر يخفي أسفله جسدا لا يزال عفيا على معاول الهدم.
 
صحافة عربية

المصدر: الخليج الجديد

الأحد 05 آب , 2018 08:20
التعريفات :
تابعنا على
أخبار ذات صلة
الأحدث
شاشة الواقع السعودي
من نحن
.
نبذة عن الموقع
.
إتصل بنا
.
شروط الاستخدام
© 2018 - الواقع السعودي. جميع الحقوق محفوظة.
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي