مشروع "الناتو العربي" لا يردع الأعداء ولا يُغري الأصدقاء
مشروع
هذا المشهد الذي يتكوّن من إعلانات ومواقف سياسية تتّصف بالغباء والإرتجال، ينطوي على استبعاد للأوروبيين الذين ما انفكّ ترامب يُهمّشهم ويُهدّدهم ويستهدفهم بعقوباتٍ اقتصادية، ويبتزّهم في الناتو الأطلسي، ويتجاهلهم في العمل على تصفية علاقات وأزمات دولية تعنيهم في الصميم، شأن العلاقات مع روسيا والحرب الكورية وقضية المناخ، وصولاً إلى الانسحاب المُنفرِد من الاتفاق النووي الإيراني.
 

في السياسة كما في الدراما، يرتسم مشهد فاصل، يمكن للمرء من خلاله أن يضع حداً لما كان، ولما سيكون. ويتّسع المشهد ويضمر، بقدر اتّساع وضمور اللاعبين. ولنا أن نتخيّل حجمه عندما يتعلّق الأمر بالشرق الأوسط.

اللاعِب الأكبر في المشهد الذي نرسمه، هو الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حتى لا نقول اللاعِب الأوحد، ذلك أن حلفاءه أو أصدقاءه أو تابعيه، بحسب الأوصاف المُستخدَمة، هم أشبه بالكومبارس.

في أقل من ستة أيام غرّد ترامب أو صرّح بأقوالٍ بهلوانية، جديرة بأن تُثير أقصى درجات القلق والتوتّر في الشرق الأوسط. قال إنه يريد الحوار مع الإيرانيين "لا من موقع القوّة ولا من موقع الضعف"، بغرض التوصّل إلى تفاهُم معهم، أفضل من ذلك الذي توصّل إليه سلفه باراك أوباما.

وكان قد أطلق تهديدات همايونية ضد إيران في حين توعّدها مساعدوه بجحيمٍ ما بعده جحيم، وبين هذا وذاك، سرّبوا أنباءً عن قُربِ تشكيل حلفِ استراتيجي عربي في الشرق الأوسط ، تدعمهُ الولايات المتحدة الأميركية، كي يواجه "إيران والإرهاب والتطرّف الإسلامي". ويتشكّلُ هذا الحلف، إذا ما قيّض له الوجود، من دولِ الخليج ومصر والأردن، في صيغةٍ قيل إنها على هيئة حلف الناتو. ويوحي هذا الحلف، الافتراضي حتى الآن، باحتمال الجمع بين الثروة الخليجية والديموغرافيا المصرية. معلومٌ أن فكرة الناتو العربي، جرى تداولها في اجتماع القمّة الإسلامية الأميركية في الرياض العام الفائت، لكنها ظلّت حبراً على ورق، إلى أن قرّرت واشنطن بحثها في لقاء خليجي أميركي مُرتَقب في 13 و14 تشرين الأول ــــ أكتوبر المقبل.

هذا المشهد الذي يتكوّن من إعلانات ومواقف سياسية تتّصف بالغباء والإرتجال، ينطوي على استبعاد للأوروبيين الذين ما انفكّ ترامب يُهمّشهم ويُهدّدهم ويستهدفهم بعقوباتٍ اقتصادية، ويبتزّهم في الناتو الأطلسي، ويتجاهلهم في العمل على تصفية علاقات وأزمات دولية تعنيهم في الصميم، شأن العلاقات مع روسيا والحرب الكورية وقضية المناخ، وصولاً إلى الانسحاب المُنفرِد من الاتفاق النووي الإيراني. هذا إذا أردنا صرف النظر عن أزمة حادّة وصامِتة نسبياً مع تركيا، أدّت مؤخراً إلى فرض عقوبات على وزيرين في حكومتها. وكأن ترامب يريد القول، لا يهمّني أن يبقى الجيش التركي في الناتو، رغم كونه القوّة الثانية بعد الجيش الأميركي.

تهميش الأوروبيين، لم يدفعهم بعد نحو مواقف من الطبيعة نفسها، سوى بعض ردود الفعل المُمتعِضة كتلك التي عبَّر عنها إيف لو دريان، وزير الخارجية الفرنسي، الذي نسبَ لـ "ترامب" نيّته في حلِ الأزمة الإيرانية على غِرار الحل الكوري الشمالي.

في هذا الوقت كانت المملكة العربية السعودية تتّخذ قراراً بتجميد نقل النفط السعودي عبر البحر الأحمر، للضغط على الأسواق العالمية، واستدراج حملة عسكرية دولية ضد "أنصار الله" والجيش اليمني، في حين اعتبرت طهران أن المسؤولية تقع على عاتق الولايات المتحدة التي جعلت "سياستها المتهوّرة" الملاحة في البحر الأحمر غير آمنة.

كيف نصف هذا المشهد وهل نرى حواراً أميركياً إيرانياً في المدى المنظور أو المتوسّط؟ أم نرى ناتو عربياً يضمّ إسرائيل أو يتحالف معها، لا فرق، فتشتعل منطقة الشرق الأوسط وتتدخّل الدول الكبرى لإطفاء الحريق أو لتوجيهه نحو إيران وشركائها حصراً؟

الإرتجال والخفّة التي تميّز بها الحديث عن الناتو العربي، لا تُنبيء بولادة ميّسرة لهذا المشروع، وإن تمّت الولادة بطريقةٍ قيصرية، فإننا لا نعرف مَن سيراهن عليه في مواجهة إيران. ذلك أن جمع الثروة مع الديمغرافيا العربية، لم يُكلَّل بالنجاح في الحرب على اليمن فكيف سيفوز في مُجابهة مع قوى تفوق حجم الحوثيين وفعاليتهم أضعافاً مضاعفة؟! أضف إلى ذلك أن جمهورية مصر العربية، لا ترغب في خوض صراع مفتوح مع إيران، ورفضت من قبل الاشتراك في الحرب على سوريا، ناهيك عن تدخّلها المحدود في في ليبيا واليمن.

السودان هو البلد الوحيد الذي رضي بالجمْع بين الثروة والديمغرافيا وأرسل جنوداً إلى اليمن، إلا أن الخسائر الكبيرة التي مُنيَ بها السودانيون في الصحارى اليمنية، أثارت ردود فعل صاخبة في الخرطوم، تلتها مطالب برحيل الرئيس عمر البشير وسحب الجنود من اليمن.

ولا أرى كيف يمكن تشكيل الناتو العربي، وسط نزاع قاتل بين السعودية وقطر، فضلاً عن تحفّظ سلطنة عُمان التي تلتزم ما يشبه الحياد في صراعات المنطقة. ولا أرى ناتو عربياً بلا قوّة راجِحة يدور حولها. فالناتو الأطلسي يدور حول القوّة الأميركية المُتعدّدة المزايا. والناتو العربي لا خيار له في هذه الحال سوى الدوران حول إسرائيل وإن فعل يُصابُ بمقتلِ، خصوصاً بعد إخفاق محاولات الجمْع بين السعودية وإسرائيل في مناوراتِ عسكرية مشتركة وواضحة. وأحسب إنها لن تتم إلا تحت الطاولة وفي هذه الحال تكون ضعيفة ولا قيمة سياسية لها.

وليس مفهوماً بعد كيف يمكن تشكيل ناتو عربياً، في وقتٍ تكاد تُعلن فيه سوريا انتصارها على العدوان "العربي" والدولي على حكومتها وتحطيم الإرهاب على أراضيها. إن حجم التدخّل والاستثمارات العربية والدولية في الحرب على سوريا، يفوق بما لا يُقاس، حجم القوى التي تخصّ الناتو العربي الافتراضي. فلماذا يفلح هذا في الإطاحة بمحور المقاومة والمُمانعة فيما أخفق ذاك طيلة سبع سنوات في سوريا؟

في هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى فشل الأحلاف الغربية، في الإطاحة بجمال عبد الناصر في ستينات القرن الماضي. فلماذا ينجح حلف جديد في ظروف أقل أهمية وقدرة، لدى غرب آخذ في التفكّك وصعود قوى اقليمية تعتقد أن لحظتها قد حانت من أجل استعادة نفوذٍ سلبه الغرب منذ 4 قرون مضت.

إذا كان صحيحاً أن الإدارة الأميركية قد حدّدت كوريا الشمالية وإيران والصين (اقتصادياً) والإرهاب على رأس أعدائها في العالم فالصحيح أيضاً، أن الإدارة نفسها قد حاورت كيم جونغ أون، وتعرض الحوار على طهران، التي لا يُخيفها نشوء ناتو عربي هزيل مجرّد من كل قيمة معنوية.

وما يُتيح تغليب فرَص الحوار بين أميركا وإيران على فرَص التوتّر والقتال، هو نشاط وزير خارجية عُمان يوسف بن علوي، في مساعيه بين الطرفين. وللعِلم لا يتوسّط العُمانيون إلا إذا حصلوا على ضمانات من الطرفين المعنيين بنجاح حوار الحد الأدنى على الأقل. لقد فعلها السلطان قابوس في العام 2015 وتوِّجت مساعيه بالاتفاق النووي بصيغة 5+1 في عهد أوباما وقد يتوّجها مجدّداً إذاما نجحت مساعي بن علوي المُحاطة بسريةٍ مُطلقة.

يبقى السؤال الكبير حول احتمالات نجاح الحوار الأميركي ـــــــ الإيراني الذي ستكون له تداعيات بحجم ونوعية أعلى مقاييس ريختر في الزلازل الأرضية.. طبعاً مع واجب الاستدراك دائماً ب "هذا إذا انعقد".
صحافة عربية
السبت 04 آب , 2018 02:58
تابعنا على
أخبار ذات صلة
الأحدث
شاشة الواقع السعودي
من نحن
.
نبذة عن الموقع
.
إتصل بنا
.
شروط الاستخدام
© 2018 - الواقع السعودي. جميع الحقوق محفوظة.
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي