الاتفاق الصيني– الأمريكي يجنّب البلدين حرباً تجارية فهل يدفع واشنطن للعدول عن سياستها الاقتصادية
الاتفاق الصيني– الأمريكي يجنّب البلدين حرباً تجارية فهل يدفع واشنطن للعدول عن سياستها الاقتصادية
وضاح عيسى : أفضت نتائج المفاوضات عالية المستوى التي جرت بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية إلى اتفاق الطرفين على تجنب حرب تجارية واتخاذ إجراءات من شأنها إزالة الخلل الحاصل في ميزان العلاقة التجارية بينهما، في خطوة يرى فيها البعض إنهاء لأشهر من توتر أثاره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدى إعلانه «الحمائية التجارية» واعتزام إدارته فرض رسوم جمركية على قائمة وارداتها من الدول بينها صينية تقدر وحدها بمليارات الدولارات سنوياً، أدانتها بكين وحذّرت من إمكانية فرض إجراءات مقابلة على صادراتها الأمريكية ما لم تعدل الإدارة الأمريكية عن مساعيها في هذا الاتجاه، لتشكل إنذاراً مبكراً لحرب تجارية بين البلدين تهدد الاقتصاد العالمي بالانهيار إن لم يُوضع حد لتلك الحرب.
ونظراً لما يربط بكين بواشنطن من علاقات تجارية ومالية واسعة، فإن تقاربهما ضرورة تمليها الوقائع والمصالح المشتركة ويحتاجها الاقتصاد العالمي أيضاً، ومن هنا كان لابد من اللقاءات من أجل الحوار والتفاهم على قواسم مشتركة وصيغ تساهم في وضع حلول لكل المشكلات وحد للاضطرابات المستجدة، ففي محادثات جرت بين مسؤولي البلدين بدأت مع توجه وفد رفيع المستوى برئاسة وزير الخزانة الأمريكي ستيفين منوتشين إلى بكين، ليواصل بعدها الوفد الصيني برئاسة نائب رئيس الوزراء الصيني ليو هي المفاوضات في العاصمة الأمريكية لإيجاد مخرج ينهي التوتر والتهديدات الانتقامية التجارية التي صدرت عنهما، بيد أن نتائج ما تم التوصل إليه لحل المشكلات العالقة تحتاج فترة زمنية كي تظهر للعيان.
 
ولمعرفة ما تم الاتفاق عليه بين الجانبين يوضح البيان المشترك تأكيد عدم خوض حرب تجارية، والسعي لتبديد بواعث القلق الاقتصادية والتجارية، واتخاذ تدابير فعالة لتقليص عدم التوازن التجاري من خلال زيادة الصادرات الأمريكية بنسبة كبيرة في قطاعي الزراعة والطاقة والخدمات، ورفع مستوى التعاون في مجال حماية الممتلكات الفكرية، والتزام الطرفين «العمل بفاعلية» لتجاوز خلافاتهما التجارية على أن ترسل الولايات المتحدة فريقاً إلى الصين للعمل على تفاصيل ما تم الاتفاق عليه، فإذا كان الطرفان قد توصلا إلى تفاهم لاتخاذ إجراءات لخفض مهم في عجز واشنطن في مبادلاتها التجارية مع بكين، وتجنب خوض حرب تجارية، فما قيمة الخفض المقرر؟ ولاسيما أن الطرفين لم يذكرا أرقاماً، مع أن البيت الأبيض طالب سابقاً بخفض مقداره 200 مليار دولار، وهل سيبقي البلدان على تهديداتهما بفرض رسوم على سلع بمليارات الدولارات؟ أم سيتخليان عن تلك التهديدات، وخاصة أنها أثارت مخاوف من حرب تجارية عالمية وسببت اضطراباً في الأسواق المالية؟
 
الاتفاق الصيني – الأمريكي، أقره كلا البلدين وقال عنه نائب رئيس الوزراء الصيني ليو إنه «ضرورة»، لكنه لفت في الوقت عينه إلى أن «تسوية المشكلات البنيوية في العلاقات الاقتصادية والتجارية ستستغرق وقتاً»، مع الإشارة إلى أنه قد تعترض الطرفان صعوبات جديدة في المستقبل لابد من «النظر إليها بهدوء وإبقاء الحوار لمعالجتها بشكل سليم»، فهل ينهي الاتفاق الصيني- الأمريكي الخلاف بين البلدين ويفتح صفحة جديدة من تعزيز التعاون ويوقف التصعيد الأمريكي وتالياً يمنع قيام أي حرب تجارية؟ أم هو اتفاق تكتيكي يريده الأمريكي للحد من الخلل الذي أوصله إلى العجز ويحمل الآخرون وزره، أو هروب للأمام ريثما يجد مخرجاً للأزمة الاقتصادية التي أوصل نفسه إليها؟، ولاسيما أن مجرد إعلان الاتفاق أعطى نتائج إيجابية لمعظم الأسواق العالمية وحقق الدولار أعلى مستوى من خمسة أشهر.
 
فمن أولى نتائج الاتفاق حول أزمة الرسوم الجمركية المتبادلة، انحسار المخاوف من حرب تجارية أدت بدورها مباشرة إلى صعود تداولات معظم أسواق المال العالمية.
 
ويمكن الإشارة هنا إلى أن واشنطن وبكين على وشك الاتفاق على قرار جديد يُلغي حظراً أمريكياً يستهدف شركة «زد.تي.إى» الصينية للاتصالات، بعد أن منعت واشنطن شركاتها من بيع المكونات والبرمجيات إلى الشركة الصينية، من شأن هذا الاتفاق أن يتضمن شراء المزيد من السلع الزراعية الأمريكية ورفع الصين الرسوم الجمركية عنها، وبينما لم ترد الشركة على طلبات للتعليق، أعلن مستشارون للبيت الأبيض أنه تجري إعادة النظر في الحظر المفروض على «زد.تي.إي».. ورغم كل ما سبق، ثمة من يرى أن سعي الرئيس الأمريكي إلى التوصل لاتفاق مع الصين يعد تراجعاً تكتيكياً في حربه التجارية معها، مستنداً في ذلك على تصريحه قبل التوصل للتفاهم المشترك، وأعرب خلاله عن أمله في بذل خبراء أمريكيين وصينيين جهوداً مشتركة لحل بنّاء للتناقضات الثنائية القائمة في مجال التجارة، والحفاظ على علاقات التعاون التجاري والاستثماري في صناعات الطاقة والصناعات التحويلية وزيادة تجارة المنتجات الزراعية وتوسيع نطاق الوصول إلى السوق في ظل توافر إمكانات ضخمة وجيدة للتنمية الاقتصادية، والعمل على تعزيز حقوق الملكية الفكرية، ويرى مؤيدو هذا الطرح أن أسباب هذا التراجع الأمريكي تأتي في إطار عدم توافر أوراق ضغط لديه كافية ومضمونة النتائج ضد الصين التي تملك الكثير من الأوراق في حال استخدمتها ستقيد الولايات المتحدة وتجعلها عاجزة عن فعل أي شيء، وربما أكثر من ذلك.
 
بينما خرج البعض إلى القول إنه لو حاولت الولايات المتحدة استخدام تايوان كورقة مساومة في علاقاتها مع بكين، على سبيل المثال، فإن الأخيرة لن تصمت وربما تأخذ تدابير مضادة إضافية إن لم تتوقف واشنطن عن فعل كهذا، وهذا ما أكدته صحيفة «تشاينا دايلي» الصينية أن «السيادة الإقليمية للصين أمر لا جدال فيه على الإطلاق، وإذا استمرت الولايات المتحدة في تسميم العلاقات بين الجانبين على مضيق تايوان، سيدفع هذا الأمر الحكومة الصينية إلى الحد من التعاون مع الولايات المتحدة في قضايا أخرى »، وقد اشتدت التوترات بين الصين وتايوان، بعد أن أقرت الولايات المتحدة في آذار الماضي قانون «رحلات إلى تايوان» يشجع الزيارات المتبادلة بين مسؤولين أمريكيين ومن تايوان على جميع المستويات، وأيضاً بعد موافقة الخارجية الأمريكية على بيع «تكنولوجيا تحت الماء» لتايوان لتعزيز دفاعاتها البحرية.
 
وفي ظل ترقب دولي للاتفاق بدا الانزعاج الأوروبي جلياً في أعقاب التفاهم على تجنب الحرب التجارية، فقد حذّر وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير من دفع أوروبا الثمن نتيجة الاتفاق التجاري بين الصين والولايات المتحدة وحل خلافاتهما على حساب أوروبا، وقال: «تريد الولايات المتحدة أن تدفع أوروبا والبلدان الأوروبية الثمن، وهذا مناف للمنطق وغير مفهوم إطلاقاً بالنسبة للحلفاء» وردد كلام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون «لا يمكن القيام بأي شيء ما لم يحصل إعفاء نهائي وتام من الرسوم الأمريكية»، وقد أعلن الأخير والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيسة الحكومة البريطانية تيريزا ماي في وقت سابق أن أوروبا مستعدة للدفاع عن مصالحها التجارية في حال قررت الولايات المتحدة فرض الرسوم الجمركية على صادراتها من الصلب والألمنيوم إليها، وبينما أشارت المفوضة الأوروبية لشؤون التجارة سيسيليا مالمستروم إلى أن الاتحاد الأوروبي قد يفرض الرسوم على عصير البرتقال والجينز والويسكي والدراجات النارية الأمريكية، أبلغت المفوضية الأوروبية المنظمة العالمية للتجارة أن الاتحاد الأوروبي مستعد لاتخاذ إجراءات مضادة تتعلق بسلسلة من المنتجات الأمريكية إذا فرضت واشنطن رسوما جمركية على منتجاتها من الصلب والألمنيوم.
 
ترامب أعلن في آذار الماضي فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على واردات الصلب و10% على وارادات الألمنيوم وأعفى الاتحاد الأوروبي بشكل مؤقت، ورأت قناة «فوكس نيوز» أن ترامب اتخذ قرار التأجيل لتجنب تصعيد محتمل للخلاف في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي عشية المفاوضات التجارية المتوترة مع الصين، ولفتت إلى أنه تم التوصل في البيت الأبيض إلى إجماع على مسألة الاستيراد من كوريا الجنوبية وإلى اتفاقات مبدئية مع الأرجنتين وأستراليا والبرازيل، بينما أشارت مصادر في الإدارة الأمريكية إلى أنه سيتم تنظيم هذه الاتفاقات بشكل نهائي في أقرب وقت، في محاولة من واشنطن للهروب إلى الأمام.
 
لاشك في أن أزمة الاقتصاد الأمريكي سببها الأساس فقدان قدرة الولايات المتحدة على المنافسة وعدم معالجة المشكلة وتداعيات الفقدان المستدام والمتصاعد، والحل يكمن في معالجة تلك الأسباب لا بشن الحروب الاقتصادية، فإذا كان الاتفاق الصيني- الأمريكي يخفض العجز الأمريكي ويوقف الحرب التجارية بين البلدين.. فهل يدفع الإدارة الأمريكية إلى التعقل والعدول عن سياساتها الاقتصادية التي تأخذها نحو الانتحار وتدفع بالاقتصاد العالمي إلى الهاوية؟
 
أقلام حرة
 
في ٢٧ أيار ٢٠١٨ / ٠٧:٠١ ب.ظ.
التعريفات :
تابعنا على
أخبار ذات صلة
الأحدث
من نحن
.
نبذة عن الموقع
.
إتصل بنا
.
شروط الاستخدام
© ٢٠١٧ - الواقع السعودي. جميع الحقوق محفوظة.
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي