كتب نارام سرجون: المسلسلات التركية الطويلة والمملة.. الدجاجة وأجنحة الفينيق
كتب نارام سرجون: المسلسلات التركية الطويلة والمملة.. الدجاجة وأجنحة الفينيق

بقلم: نارام سرجون

انا لست من أولئك الاشخاص الذين يحبون ان يكون دورهم في الحوار هو التشنج والرفض .. بل انني أخجل جدا من التمسك بموقفي لأن التمسك بالموقف من اجل الموقف عمل من اعمال الجهل والانحطاط وقلة المعرفة وضحالة الثقافة .. وهو ليس من علامات الصحة العقلية والنفسية بل يعكس عقدا واضطرابات في التربية وتآكلا في الادراك بسبب تجارب قاسية .. وهذا ما أعانيه بالضبط عندما أتحاور مع معارض عربي .. فالمعارض العربي لايقبل اطلاقا انه مخدوع وانه دريئة وانه مطية للغرب .. وهو لايقبل ان يشرّح التجربة الديمقراطية الغربية ليقول مالها وماعليها والتجربة في بلداننا ليقول مالها وماعليها .. فتسمعه ينتقد بحدة وحقد تجربة القذافي او صدام حسين او الرئيس حافظ الاسد او عبد الناصر وغيرهم ولكنه لايقول انهم قدموا اشياء لاوطانهم حتى وان مرت باخفاقات او عثرات .. وهذا يدل على ان تجربته كمعارض فاشلة وهو لايمكن ان يقدم مشروعا سياسيا ناجحا طالما انه يرى كالأعور .. ويبرمج عقله مثل لعبة كومبيوتر .. حيث المقاتل يملك سلاحا فتاكا وذخيرة لاتنتهي ويقتل كل من يراه دون ان يعرف لماذا يقتل ويحصد كل من امامه .. ودون ان يحس بالشفقة على خصومه الذين يجندلهم .. فهو مبرمج فقط على اطلاق النار الى ان يقتل الجميع او يموت .. وانعكس هذا حتى على طريقة ممارسته للسياسة فهو مستعد لجندلة خصومه دون ان يرف له جفن .. فماهي الا لعبة كومبيوتر سياسي ..

ولذلك لاتستغرب ان سمعت المعارضين الحاليين وهم لايزالون متمسكين بموقفهم من تلك الزعامات الكبيرة ويصابون بالهستيريا من مجرد الدعوة لانصافها ونقدها موضوعيا .. ويصابون بحالة اسهال لفظي بذيء من السباب والشتائم والاتهامات بالعمالة والخيانة والديكتاتورية .. رغم ان كل الوثائق تقول انهم ليسوا خونة وأنهم خاضوا تجربتهم السياسية وفق منظورهم الذين كان موفقا احيانا ولم يكن موفقا في احيان اخرى .. ولذلك انت لاتستطيع ان تثقب عقل المعارض ان اميريكا التي كذبت بشأن اسلحة الدمار الشامل العراقية تكذب ايضا في المجازر الكيماوية السورية .. فعلا يستحيل ان تثقب هذه القناعة او ان تعلمها المقارنة والمنطق .. على عكسنا نحن الوطنيين المتنورين .. فكل خصومنا نقرؤهم بعناية وموضوعية .. حتى انور السادات الذي اختلف معه جدا فانني احلله كتجربة سياسية فاشلة فقط .. ولايهمني ان كان خائنا او وطنيا عندما اقيّم تجربته .. بل اسجل له سياسة جلبت كوارث على بلده قبل اي بلد وحولته من لاعب دولي شغل العالم الى متسول للماء والقمح من المجتمع الدولي تشاغله دويلة مثل قطر واثيوبيا .. والرجل لم يكن مؤهلا لمنصبه لأنه كان ساذجا لايصلح لادارة السياسات الخطرة .. وتم اغواؤه بالسلام لتتفرغ اسرائيل لتفكيك المنظومة المصرية التي تشكلت في زمن ناصر وكادت تترسخ وتنطلق .. ولو انه استثمر البناء الناصري لتغير واقع مصر بشكل مدهش .. بعد ذلك يمكن أن أبني اي استنتاج للخيانة او الوطنية ..

ولذلك لم يكن تحليلي للتجربة السياسية التركية الاردوغانية ناجما عن كراهية عمياء بل من باب انها تجربة يجب ان يتم تحليلها .. ومراجعة التجربة تقود الى اسئلة غاية في الأهمية من مثل صمت الجيش التركي والقوة الاطلسية التركية عن صعود الاسلاميين بعد ملاحقة استمرا قرنا .. صمت في توقيت دقيق وهو ماسبق سقوط العراق وكان قبل انطلاق الربيع العربي الاخواني ..وكأن الامر كان صفقة ..لأن ماحدث هو ان الربيع العربي اعترف انه كان صفقة بين الاخوان المسلمين والغرب .. فالاخوان المسلمون ثبت انهم قوة أسسها الغرب او أطلقها الغرب لمواجهة المزاج القومي بعد سقوط الخلافة العثمانية .. لأن ايقاف الموجة القومية كان يستحيل دون قوة توازيها بالقوة لكنها تشدها نحو الخلف .. فيبقى المجتمع يراوح في نفس المكان .. ولم يكن هناك أفضل من الاخوان لهذا الدور ..

الاخوان لم يكن لهم الا مشروع واحد وهو اعادة الخلافة .. وباختصار شديد السلطة .. لأن السلطة هي الخلافة .. وكل مايقال عن بناء المجتمع الاسلامي الفاضل هو رتوش واضافات وكماليات وأصباغ ملونة لجذب اكبر عدد من الناس الى المشروع .. فالسلطة هي الهدف .. ورأينا ان هذا تمت ترجمته حرفيا في الربيع العربي .. ففي تونس وفي زمن الغنوشي وتياره دخلت اسرائيل تونس .. فهو الذي يسيطر على المناخ السياسي ولذلك صارت تونس الرسمية بارعة في الاسرائيليات .. فهي تطبع خفية وتستقبل الاسرائيليين فيما الغنوشي صامت لا ينبس ببنت شفة ..

وقبله تخلى محمد مرسي في مصر عن العداء للغرب واسرائيل ووجهه الى سورية وايران .. وكان من الواضح ان الغاية من الربيع العربي هي تثبيت الصفقة بين العرب والاخوان ..

ولو أردنا اليوم قراءة الخلاف التركي الامريكي لوجدنا ان كل مايقال عن الخلاف هو سياسة مقصودة اعلاميا .. وهي عملية مدروسة بدقة وهي تتعمد ان تتطاول زمنيا لان القناعات الشعبية لاتتشكل بين عشية وضحاها .. ويجب ان يتم اعدادها بصبر .. فكما ان الجزيرة استغرقت عملية زراعتها في الوعي العربي 10 سنوات لتحصد هذا الحصاد الرهيب فان اردوغان استمر في عملية الاعداد لربيعه عشر سنوات ايضا .. مرت باسطول الحرية وسفينة مرمرة ومسرحية دافوس .. ومجموعة خطابات لاتنتهي عن الحب لفلسطين والاستعداد لكسر اسرائيل .. هذا في العلن .. ولكن في الحقيقة دمر اردوغان الدول التي كانت تزعج اسرائيل .. ليبيا واليمن وسورية والعراق .. وساهم في اشغال كل المنطقة بالسموم الطائفية ..

اردوغان في النهاية هو واحد من المتعصبين الاتراك وهو فعل مافعل الاخوان المسلمون .. اي انه ادار صفقة تركية امريكية .. فهو يريد الخلافة العثمانية ومقابل ذلك سيعطي اميريكا راس العرب (العرب المقاومين طبعا) .. الرجل تركي طوراني متعصب وهمّه من الاسلام هو ان تركيا تعود الى سابق عهدها .. ولكه مشروع العودة لن ينجح بدون الحامل العربي والاسلامي للمشروع التركي لان تركيا من غير الاجنحة العربية لاتستطيع الطيران والاقلاع نحو مشروعها .. وستبقى دجاجة الشرق الاوسط او كما سماها تشرشل (الديك الرومي) .. ولن تطير دون العرب ..

اردوغان غاضب من الغرب لأن الصفقة التي ابرمها معه تعثرت بسبب تخلي الغرب عن اتمام الاتفاق .. وكان اردوغان يظن انه على الاقل سيمنح السيطرة على شمال سورية على الاقل .. ولكن الغرب تراجع عن التزاماته .. والسبب هو دخول روسيا الى اللعبة الخطرة في سورية .. وفي تلك اللحظة كان اردوغان يريد من الغرب ان يقف خلفة وهو يجتاح دمشق .. وهو يناوش روسيا في سورية او يهددها بالناتو .. وفي كل مرة يدعو الغرب لمؤازرته كان الغرب يتمنى له النجاح ولكنه يقف في الصفوف الخلفية متفرجا ..

ورغم اندفاعته المجنونة المتهورة الا ان الجنرالات الاتراك فتحوا له عقله الى انهم لايقدرون على خوض اي مغامرة دون ان يكون الحلف كله مع تركيا في ارض المعركة .. فهذه روسيا وسورية وايران وليست قبرص .. او ارمينيا ..

حتى هذه اللحظة لم يفقد اردوغان الامل .. ولكنه لم ينس الطعنة الغربية التي وعدته بشمال سورية .. وكان يظن ان معركة حلب هي التي ستكون المعركة التي سترسم خطوط الهدنة فيها .. وتنتهي حلب والشمال في البلعوم التركي .. وهو لايكترث ان اعطي الاكراد مؤقتا اي دويلة فهم بالنسبة له وجبة قادمة لأنه سيأكل المنطقة على وجبات .. ولكن اهم وجبة هي وجبة دمشق .. التي ان سقطت سقطت كل الشظايا المحيطة بها ..

اردوغان الغاضب والعاتب .. صار يبتز الغرب كالأجير الغاضب ويحاول اهانته بالتقرب من روسيا .. علها تعطيه مالم يقدر الغرب ان يعطيه اياه .. لكنه حذر جدا في هذا وهو يدرك ان هناك خطوطا حمراء لايسمح له بتجاوزها ..

منذ عام والاعلام يحاول ان يقنعنا ان اردوغان واميركيا مختلفان جدا .. وان الخلافات عميقة بسبب الكرد ومستقبل سورية .. ولكن الحقيقة غير ذلك .. فاردوغان هو من يساعد الكرد .. فبدل خنقهم اقتصاديا فانه فتح حدوده لهم لسرقة النفط والقمح والاستثمار .. فهل هذا من يريد تقويض الدولة الكردية؟؟ أم انه يريدها ان تقوض له دمشق ولهذا فانه يساعدها؟؟

اردوغان ليس مختلفا مع الامريكيين بسبب الكرد ابدا ولابسبب فلسطين طبعا (ستضحكون بلا شك) .. بل بسبب تلكؤ الامريكييين في دعمه عسكريا لمواجهة سورية وحلفائها وحنثهم بالوعد والاتفاق من انهم سيساعدونه على ابتلاع جزء من سورية او سورية مقابل تسليم رؤوس العالم العربي الساخنة للامريكيين .. وهو عاتب على الامريكيين ويحس بالمرارة منهم ولايجرؤ على تحديهم لانه يعلم ان مفاتيح اللعبة السياسية التركية ليست في استانبول بل في واشنطن .. التي بضغطة زر ستغير المشهد في تركيا سلما او حربا .. بالليرة التركية او عبر الجنرالات الذين تشرف عليهم قاعدة انجرليك .. وهو لايسمح له بالمساس بهم ..

ماجرى بين بايدن واردوغان سيسهب الاعلام الغربي والاخواني من انه استمرار للخلاف .. وتعميق له .. من اجل تعويم اردوغان .. ولكن حذار من الوقوع في الخدعة مرة ثانية .. وتذكروا فقط مسرحيات هذا الرجل الكذاب والمراوغ وماكينات الكذب التي تعمل لصالحه .. فكلما ارتفع صياح هذا الديك على المزبلة التركية والاخوانية اعلموا انه يبرم صفقات على حساب العرب والشرق .. ولكن مهما فعل وارتفع فلن يطير .. لأنه دجاجة امريكية .. وتركيا دجاجة الغرب .. والدجاجة لاتطير ولاترتفع الا بأجنحة كبيرة .. ولن نعطيها هذه الاجنحة ولو ملأ صياحها و”بقبقتها” العالم ..

الدجاجة التركية كانت تريد أجنحة الفينيق لتطير … هيهات ان نعطي اجنحة الفينيق الا لطائر فينيق ..

تذكروا .. الدجاج لايطير .. الدجاج فقط يبيض .. والفينيق ولد للتحليق .. الدجاجا دجاج .. والفينيق فينيق .. هل هناك مجال للمقارنة؟؟

أقلام حرة

المصدر: نارام سرجون

الجمعة 18 حزيران , 2021 05:35
تابعنا على
أخبار ذات صلة
الأحدث
شاشة الواقع السعودي
من نحن
.
نبذة عن الموقع
.
إتصل بنا
.
شروط الاستخدام
© 2021 - الواقع السعودي. جميع الحقوق محفوظة.
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي