الحلم المغدور والإمارة الوهابية.. “داعش من النجدي إلى البغدادي.. نوستالجيا الخلافة” .. الجزء الثاني
الحلم المغدور والإمارة الوهابية.. “داعش من النجدي إلى البغدادي.. نوستالجيا الخلافة” .. الجزء الثاني

يتناول الكاتب والباحث السياسي الدكتور فؤاد إبراهيم في الفصل الثاني من مؤلفه “داعش من النجدي إلى البغدادي..نوستالجيا الخلافة” تحت عنوان “الحلم المغدور.. المحاولة الأولى، والمقسم لفرعين, الأول يحمل عنوان الجماعة السلفية المحتسبة..تأسيس التمرّد المسلح، فيما عنون الثاني برسائل جهيمان.. يوتوبيا الإمارة الوهابية”، تعريف “السلفية” أكانت منهجا أم جماعة، وكيف فرضت الشخصية العقدية والفقهية لابن تيمية استقالة المدارس السلفية عموما، وما الذي مارسته من نقيض لما يعلن إزاء عصر التقليد، وإن كل ما في الكتاب والسنة واضح وجلي، ولكن الحضور الكثيف لنصوص ابن تيمية في كل المنتجات الكلامية والفقهية في المدارس السفلية تجعل من أي حديث عن الاجتهاد مجرد زعم بلا دليل.

يتحدث الباحث إبراهيم عن توجه محمد بن عبدالوهاب في تطوير مفاهيم عقدية شديدة الخصوصية “عقيدة التوحيد” بأركانها الثلاثة “الألوهية، الربوبية، الأسماء والصفات”، وإن أهل دعوته المتناسلين من مدرسته دمجوا خصيتي ابن تيمية وابن عبدالوهاب إذ يزداد النزوع السلفي التلقيدي رسوخا، وكيف بقي الأتباع مفتونين بتلك النصوص التي أنتجها الرمزان السلفيان، دون إخضاعها للمراجعة, إذ يشير الكاتب إلى تغريدة للشيخ سلمان العودة (المعتقل حاليا) الذي يصنّف ضمن تيار الصحوة، والأكثر اعتدالاً بين رفاق دربه، غرّد في 28 أكتوبر 2014 بنص يقول “إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، هي جنة الأنس بالله ولولا أن ابن تيمية قال هذا ما تجرأت أن أقوله”.

برأي الدكتور إبراهيم أن “في مثل هذا النص المشبع والمفتوح على تفسيرات متعددة، تبدو سلطة الماضي، النص، والرمز طاغية إلى حد الشعور بالنقص والحاجة إلى التلطي وراء سلطة عليا (متخلية غالبا)، بهدف التحصن أمام النقد أو الإحساس بالذنب من اختراق مخظور. هكذا تبدو السلفية متكافئة مع الاستقالة أمام الماضي، وليس كل الماضي، بل ثمة ماض صنع في زمان ما أريد له أن يبقى حاضرا ومحركا للنشاط الذهني بعد سبعمائة سنة لاحقة من عمر نشأته الأولى”.

كما يعتبر أن “لا عجب، إذن، أن تكون مهمة ورسالة التنظيمات السلفية بكل أطيافها هو العودة إلى أفهام الماضين من المتحدرين من مدرسة ابن تيمية تاليا محمد بن عبدالوهاب، وهو المشروع الذي حمله أعضاء الجماعة السلفية المحتسبة على عاتقهم حين عقدوا العزم على قيادة مشروع إحيائي للسلفية الوهابية التي يرون أنها توارث في حياة المجتمع المحلي، على الأقل في المناطق التي كانت حواضن رئيسة لها”.

ويستند الكاتب إلى روايات مشهورة حول السلفية، وفي إحدى الروايات التي يبرزها تعود إلى ناصر الحزيمي أحد رفقاء جهيمان العتيبي، الذي يقول “إن الجماعة السلفية المحتسبة” تأسست بعد حادثة تكسير الصور والتماثيل في إحدى المحال التجارية في المدينة المنورة، أي بعد سنة1965 تقريبا، حين تجمّع ستة أشخاص من بينهم جهيمان بن محمد بن سيف العتيبي، وسليمان بن شتيوي، وناصر بن حسين العمري الحربي وسعد التميمي، وقرروا تأسيس جماعة تقوم بأمور الدعوة السلفية والتذكير في المساجد والأماكن العامة.

 يلفت إلى أن “رواية الحزيمي أشارت إلى خمسة من أصل ستة أعضاء مؤسسين تخرجوا من عباءة جماعة التبليغ أما السادس فيبدو أنه من الإخوان المسلمين، ولكن ما لبث الحزيمي أن يخرج المجموعة بأكملها من جماعة التبليغ، لأسباب تبدو مفهومة إذا وضعت في سياق آخر، غير انضواء المجموعة تحت عباءة التبليغ في الأصل، والخروج يرجعه الحزيمي إلى التناقض العقدي، إذ لم تكن جماعة التوحيد تولي اهتماما بعقيدة التوحيد في نشاطها الدعوي، وتتساهل في قضايا الولاء والبراء وإنكار المنكر، ولا تدعو على هدي من الكتاب والسنة، وإذا كان الحال كذلك، فإن استخداتم عبارة “تخرجوا من عباءة جماعة التبليغ” في غير محله، ببساطة لأن ملاحظات المجموعة تندك في صميم العقيدة الوهابية”.

ويروي الباحث كيف جاء قرار المجموعة إبلاغ الشيخ عبدالعزيز بن باز بقرارهم تكوين جماعة سلفية “تنبذ التمذهب وتدعو إلى التوحيد والتمسك بالكتاب والسنة الصحيحة وأنهم لايهدفون من وراء عملهم هذا إلى أي هدف دنيوي، وأنهم يعرضون عليه منصب المرشد لهم والموجه، “فوافق”، وقال لهم بما أنكم تحتسبون الأجر من الله فليكن اسمها “الجماعة السلفية المحتسبة”. ومما جاء في النص أن “بداية الجماعة انطلقت مع الطفرة النفطية بعد حرب اكتوبر1973، إذ طفر معها الخطاب اليميني بشكل عام وبرز تمويل الداعم لكل ما هو ضد الكتلة الشيوعية أو القومية العربية وساد الصمت الرسمي حيال ممارسات الجماعات الدينية المسيسة، ووجدت أجواء الحرب الباردة خير معين على إعادة أجواء خطاب الإسلام السياسي”.

ويتابع أن “الحزيمي التحق بالجماعة واندمج في حياة الإخوان من الجماعة السلفية ولازم عبدالله الحربي الرجل الأول في الحركة، فهو يجمع الإخوان ويذهب بهم للدعوة في ضواحي مكة وهو الذي يقودهم لطلب العلم مع المشايخ.

 أخبر الحربي الحزيمي بقدوم السلفيين إلى المدينة المنورة إلى الحج. وهناك تعرف الحزيمي على جهيمان الذي كان من بين الذين جاؤا إلى مكة وحضروا دروس الشيخ الألباني، فأتيحت له فرصة التعرف على القضايا الخلافية بين الإخوان وأتباع المذاهب الفقهية من المقلدين”.

وينقل الكاتب ما قاله الحزيمي حول اللقاء ونصه: “هذا اللقاء الذي تم في الحج يكاد أن يكون العلامة على أنني أصبحت أنتمي لجماعة سلفية حقيقية”.

هذا، ويلفت ابراهيم إلى أن جماعة الإخوان كانت بمثابة مجتمع مضاد أو جماعة مغلقة لذاتها تعيش عزلة اجتماعية لها قوانينها ونظامها وسلوكها الفريد في العيش وتحمل المصاعب، وكان لها أحلامها الخاصة بها، وقد جرب بعض افرادها العزلة الجسدية وكانت تتهيأ لعملية تصحيح كبرى في المجتمع والدولة.

بعد سرد تاريخي مسند إلى التوسع الذي كان لنشأة الجماعة، يطرح الكاتب تساؤلاته حول تأثيرات الفكر الذي تركه “الإخوان المسلمين” على التيار الوهابي في المملكة وعلى جماعة جهيمان العتيبي، كأول تنظيم سياسي اعتراض داخل المجال الوهابي ونشأ بعد قيام الدولة السعودية وجرى طرحه في سياق التوتر بين السعودية والاخوان المسلمين، لاسيما أنه جرى الحديث عن نزعة تكفيرية لدى التيار السفلي الوهابي وانها مستعارة من التيار القطبي.

ويشير الكاتب إلى العلاقة بين الاتهامات للسلطة بتطوير الخطاب الراديكالي والاتهامات لضلوع مواطنيها بالارهاب الدولي، وكمثال أحداث 11 سبتمبر 2001، وكيف أن عنصر التكفير في الخطاب يحيل للمراجع الوهابية حصريا، حيث يبدو هذا العنصر راسخا ومؤصلا قبل قرنين من نشأة “الاخوان” والتيارات التكفيرية المنشقة عنها “جماعة الدعوة والهجرة والتيار القطبي والجماعة الإسلامية بقيادة الشيخ عمر عبدالرحمن.

ويشير الكاتب إلى انفساخ الحلف بين الملك عبدالعزيز والإخوان، وهو ما شغل جهيمان، الذي اتهمها “ولي العهد فهد بن عبدالعزيز في يناير 1980 (الملك لاحقا) بأن الحركة بدأت بانتقاد علماء الحكومة الرسميين وطرحوا أسئلة عن شرعية الحكم السعودي والتشكيك في تطبيق آل سعود للشريعة”. د. ابراهيم تناول كيفية تعرض أعضاء الإخوان للسجن والخروج منه وتنامي حركتهم بين 1987-1995، حيث بدأت السلفية الجهادية، الذي كان منظرها حينها الاردني عصام البرقاوي –أبو محمد المقدسي.

وعن الرسائل التي وجهها جهيمان إلى الوهابية، يقول الكاتب إن مفادها تبلور بأن “المملكة السعودية لم تعد الدولة الضامنة والحارسة للتعاليم الوهابية وأن الواقع القائم لا بد من تغييره بكل السبل وإن تطلب رفع السلاح، رسائل جهيمان باتت مكونا أساسيا في أدبيات السلفية الجهادية بكل أطيافها. يتناول جيهمان حقبة النزاع بين عبدالعزيز والإخوان كما لو أنها الدليل الإرشادي له في مواجهة آل سعود في زمانه. وكتب تحليلا استند فيه إلى جذور الخلاف بين عبدالعزيز والإخوان وبينهم المشايخ. ويلفت إلى أن جهيمان حدد ثلاثة مراحل للوصل إلى الهدف في الإطاحة بالدولة وتبلورت بـ” قول الحق في الدعوة إلى التوحيد لله والتبرؤ من الشرك وأتباعه والمعاداة في ذلك”، و”عند ذلك يحصل الإيذاء والإخراج من الديار والأموال وتكون الهجرة إلى مكان يجتمعون فيه، وبعدها يكون القتل”.

وفي نهاية الأمر، يلفت الكاتب كيف وصل مشروع جهيمان إلى النهاية بعد تحقيق الأهداف، وأسدل الستار على قصة جهيمان العتيبي ورفاق دربه بالإعدام إلا أن أفكاره بقيت حية، ويستدل على ذلك بالانتقادات والافكار التي اعتنقها التيار الصحوي في التسعينيات من القرن الماضي وبعدها اندمغت في خطاب السلفية الجهادية لدى “القاعدة وداعش”.

 

أقلام حرة

المصدر: د. فؤاد ابراهيم

السبت 27 شباط , 2021 08:08
التعريفات :
تابعنا على
أخبار ذات صلة
الأحدث
شاشة الواقع السعودي
من نحن
.
نبذة عن الموقع
.
إتصل بنا
.
شروط الاستخدام
© 2021 - الواقع السعودي. جميع الحقوق محفوظة.
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي