التاجر التركي إردوغان والأعراب.. المنشأ "إسرائيل".
 التاجر التركي إردوغان والأعراب.. المنشأ "إسرائيل".

*حليم خاتون

اليوم، فلافل لابنتي "النباتية" العائدة إلى البيت لقضاء نهاية الأسبوع بعد معاودة الدراسة المباشرة في كلية الطب... كان عليّ التفتيش عن النعناع، حيث لم تجد زوجتي أمس ولا"ضمّة" في أكثر من سوبر ماركت.

"أكيد سوف تجد عند التركي"،  قالت لي.

ذهبت في الصباح الباكر،سألته، إن كان يوجد عنده نعناع، فإذا به يفتح البراد ويُخرج لي "الضمّة". تفحّصتها ما إذا كانت بحالة جيدة... لأُصدم حين قرأت أن المنشأ، "إسرائيل".

أعدتها إليه، وقلت له باستغراب: " هذه إسرائيلية، لا أستطيع شراءها. أريد نعناع من منشإٍ آخر.هؤلاء قتلة أطفال، وقد احتلّوا أرضي وأرض أجدادي ونهبوها".

ولأنّ مُعظم الأتراك هنا من محبي إردوغان، أضفت: "ليس المهم القول بدعم القدس والشعب الفلسطيني، المهم أن يكون قلبك مع الشعب الفلسطيني."

إنه ليس الدكان التركي الوحيد الذي يتعامل مع إسرائيل. لقد سبق أن تركت العربة منذ أسبوعين داخل سوبرماركت تركي آخر وخرجت غاضباً بعد أن "بهدلت" الموظف، على الصندوق لأنه يبيع أفوكا، منشأ إسرائيلي.

"كيف تضع على الرف بضاعة ممن اغتصب القدس؟!"، قلت له.

في الحالتين، خجل الرجلان، أو على الأقل، هذا ما بدا لي.

ولكن كان لا بد من تسجيل، ولو موقف في حضور الزبائن الألمان. عدت إلى البيت، وأنا أستشيط غضباً، لأن هؤلاء الكلاب يحتلون أرضنا ويفرضون علينا العقوبات.

على الأقل، فليروا أن الشعب العربي ليس خائنا كما بعض أراذل الحُكّام.

عندما أجد بضاعة إسرائيلية في المحلات الألمانية، أعود في اليوم التالي، وألصق ورقة تقول إن هؤلاء قتلة أطفال، وناهبي أوطان...

لكنّ المؤلم فعلاً، أن تجد أناساً من المفروض أن يكونوا حلفاء لك، وقد باعوا ضمائرهم للشيطان.

قبل إردوغان، سطع في تركيا اسم نجم الدين أربكان، المهندس الذي قاد حملة مقاطعة إسرائيل وقطع العلاقات الديبلوماسية معها.

مثل إردوغان، كان أربكان من الإخوان المسلمين.

نجم الدين أربكان تعرّض لمحاولات انقلاب، وسُجن أكثر من مرة... حتى خضع في النهاية.

أجبره الجيش التركي على زيارة الكيان وعلى زيادة التبادل التجاري مع الصهاينة، قبل أن يزيحه الثنائي عبدالله غول وإردوغان، عن زعامة الإخوان المسلمين، ولكن، ليمشوا خطوات أوسع بكثير، باتجاه الصهاينة.

يُعيب الإخوان المسلمون على الشيعة مبدأ التقيّة، القائم على إخفاء النوايا والبوح بغير المُضمَر؛ فإذا بهؤلاء، إخوان الشياطين من خريجي المخابرات البريطانية، يهاجمون الصهيونية بالكلام، ويعطونها كل ما تريد بالأفعال.

رغم مبدأ التقيّة، لم يتجرّأ أيُّ إيراني، منذ انتصار الثورة الإسلامية وحتّى اليوم، على مجرد التواصل غير المباشر مع الصهاينة. 
 
ما السرّ في هذا العناد وهذه المبدئيّة عند الإيرانيين، في نفس الوقت الذي يتهافت فيه الإخوان المسلمون على تسليم الصهاينة كلّ زمام الأمور؟

يتذرّع بعضهم بصلح الحديبية بين الرسول والمشركين لطلب هدنة مع مغتصبي الارض؛ ويتفنّن  بعض فلسطينيي الإخوان بطروحات هي أقرب إلى الخيانة منها إلى الهدنة.

لم تكن جدّتي التي خرجت يوماً من العفّولة تفهم في التكتيك والاستراتيجيا، لكنّها اختزلت كلّ معادلات الصراع مع الصهاينة، بقانون"الحجة صفية".

قالت لي، وأنا لم أبلغ العاشرة من عمري بعد: "اسمع يا بني، أنا رأيت هؤلاء مع أول مستوطن دخل مُخادعاً، إلى العفولة. هؤلاء، لا آمان لهم. يطعنون بالخناجر حتّى ولو علت الإبتسامات وجوههم.

في الحرب بيننا، حلّ واحد؛ طريق واحدة: إمّا نحن... وإمّا هم". نحن وهؤلاء، كما الزيت والماء ... لا يمكن دمجنا، ولا مزجنا.

الصهيوني ليس بشرياً. طالما هو يعتبر نفسه أعلى مرتبةً من باقي البشر، طالما هو يدّعي حقّاً بأرضٍ نحن نباتها ونحن عُصارة حضاراتها،  مع هؤلاء ليس سوى حدّ السيف.
 
لو كانت جدة محمد مرسي من نفس طينة الحجة صفيّة، لما تجرّأ على التلفّظ بـ "صديقي، شيمون بيريز".

ولو كان أردوغان من طينة، حتّى إصلاحيي إيران، لما تجرأ على بثّ سموم عقاربه لا في سورية، ولا في العراق، ولا حتّى على أرض المقدّسات والأقداس، فلسطين.

يُقال: إنّ معاوية بن أبي سفيان، استشاط غضباً، في أحد الأيام، من كثرة الأحاديث النبويّة في أهل بيت النبوة؛ فاستدعى أحد الرواة وأمره بخلق حديث من تحت الأرض فيه وفي بني أمية.

مرّت أيام قبل أن يُهرع الراوي إلى معاوية يبشره بأنه أخيراً، وجد حديثاً ذا سند.

لقد قال الرسول في معاوية، بعد طول انتظار الأخير له في ديوان الكتبة، حيث كان كلّما سأل عنه يقال إنه يأكل؛ قال رسول الله جملته في معاوية: "لا أشبع الله بطنه".

قصتنا مع أردوغان، هي كما قصتنا مع معاوية:  يفتش أردوغان لنفسه عن مجدٍ في أمة الإسلام، فلا يجد مجداً ممكناً، إلا وفلسطين شرطه المشروط، بالكفاية والضرورة ، ( sufficient necessary and ).
وهو عاجز عن تلبية هذا.

أردوغان يريد مساومة الله على الآخرة. المؤمن يعُطي دنياه لآخرته دون شرط. أردوغان يريد المتاجرة مع الله دون أن يثق بالله.

جدتي الأميّة التي لم تكن تعرف القراءة والكتابة تفوّقت على تجارة أردوغان مع الله، كما تفوقت على تعاليم أنور السادات في الكليّة الحربية، وعلى كلمات أبي عمّار المعسولة التي جعلت رابين وبيريز يتشككون في أصولهم اليهودية.

يدور الحديث هذه الأيام عن مُطبًعين جدد، فمنهم من يتحدّث عن إندونيسيا أو موريتانيا أو ربّما حتى السعودية.

المشكلة ليست فقط في التطبيع؛ تطبيعاً كان أم تتبيعا. المشكلة هي أنّ الصهاينة يلعبون، والعرب وبقية المسلمين هم الحجارة.

قد لا تُطبِّع إندونيسيا غدا، وقد لا تفعلها السعودية؛ لكنّ الحقيقة هي  أنّ كلّ هذه الدول، سواء طبّعت أم لم تطبًع بالعلن، أصبحت ألعوبة في أيدي صبيان أمريكا، وهي عن جهل، أم عن سابق إصرار وتصميم، تخدم مشروع زعزعة إيمان هذه الأمة.

هذا التاجر أو ذاك. هذا السياسي أو ذاك. هذا المرء أو ذاك. مَن تهاون مع العدو مهما بدا الأمر بسيطا، إنما هو يخون...

هل تذكرون ذلك الضابط الذي مدّ يده لمصافحة الشيخ راغب؟ هل تذكرون ذلك الجندي الذي أراد شراء عنفوان الطفل علي وكرامته بحبة الحلوى؟

الشيخ راغب قال كلمته، ورفض: "المصافحة اعتراف".

والطفل علي رمى حبة الحلوى، ليلتقط آلاف الأطفال بنادق تستجدي الشهادة.

ابن سلمان أو إردوغان أو غيرهما....لا يهم أن يسقط البعض في امتحان الحياة.

كما الأرض كفيلة بابتلاع زوانها. كذلك الطبيعة، تصحِّح نفسها بنفسها ...

راح راغب، فخرج عماد. راح قاسم، فانتبتت الأرض قواسم . لذلك سوف تنجح نظرية الحجّة صفيّة. وكل أراذل العرب والترك والأصنام إلى زوال.

إنها فلسطين أيُّها الغبيّ. إنّها القدس ويافا وحيفا وعكا...أفلا علمت؟...

*كاتب فلسطيني

أقلام حرة

المصدر: حليم خاتون

الأحد 17 كانون الثاني , 2021 03:50
التعريفات :
تابعنا على
أخبار ذات صلة
الأحدث
شاشة الواقع السعودي
من نحن
.
نبذة عن الموقع
.
إتصل بنا
.
شروط الاستخدام
© 2021 - الواقع السعودي. جميع الحقوق محفوظة.
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي