د. عبد الحي زلوم: كيف تم تحويل حركة تحرير فلسطين ضد الاحتلال إلى عصابة مافيا لحمايته
د. عبد الحي زلوم: كيف تم تحويل حركة تحرير فلسطين ضد الاحتلال إلى عصابة مافيا لحمايته

د. عبد الحي زلوم

كانت فترة الانتداب البريطاني على فلسطين والتي دامت 30 سنة لهدفين رئيسيين أولهما: إنشاء بنية لدولة ظل يهودية ممثلة بالوكالة اليهودية وأفرعها العسكرية والمالية والاستخبارية استعدادا لإعلان دولة اليهود، وثانيهما تهيئة ومسح دماغ جيل جديد من الفلسطينيين وقد زوّروا لهم تاريخهم وحضارتهم وفككوا قياداتهم وعناصر تماسكهم. ففي الوقت الذي ارسلت بريطانيا احد اقدر وأقذر جنرالاتها وهو اللورد مونتغومري، (وهو نفس من قاد جيوش الحلفاء لاحقاً  في معركة العلمين) حيث قام بالتنكيل بالمقاومة الفلسطينية واخماد ثورة سنة 1936. وفي نفس هذا الوقت انضم الى الجيش البريطاني 26 الف يهودي ليتدربوا ويشاركوا في الحرب العالمية الثانية ليصبحوا نواة لجيش صهيوني رسمي بعد اعلان الدولة، بالاضافة لعشرات الالاف كانوا في المنظمات الارهابية مما جعل عدد الجيش اليهودي في بداية حرب 1948 اكثر من ضعفي عدد مجموع جيوش السبع دول العربية الاعضاء في الجامعة العربية. كانت تلك الجيوش الوليدة قليلة العدد والعدة  وكانت تحت الهيمنة الاجنبية المباشرة وغير المباشرة. فمثلاً كان قائد الجيش العربي الاردني وكل قادة الفرق من الانكليز.

عند تصويت الأمم المتحدة على قرار التقسيم، رفعت استخبارات الهاغاناه (جيش العدو)  للوكالة اليهودية تقريرها التقييمي عن الميزان العسكري، جاء فيه انه: “في حالة اختار العرب الحرب فإن الدول العربية أبعد ما تكون عن التوحد، وعرب فلسطين أبعد ما يكونون عن الاستعداد للحرب. فقد كانوا يفتقرون تماماً للموارد المالية والتنظيمية اللازمة”.

 الجنرال جون باغوت غلوب المعروف بـ: غلوب باشا كان قائد الجيش الاردني انذاك.  كتب  في مذكراته : ” لم يكن المسؤلون العرب جادين في الذهاب للحرب .. إلا أنهم دخلوا ( فلسطين) في النهاية وأمروا قادتهم العسكريين بالتقدم تحت وطأة الضغوط الشعبية والرغبة في تهدئة الشارع “. فالنظام الرسمي العربي والكيان الصهيوني هما منظومة وظيفية واحدة لكل منها وصفها الوظيفي والتحرير ليس احد بنوده . وهكذا ضاع 78% من فلسطين  واصبح ضياع ال22% المتبقية ( الضفة الغربية وغزة ) تحصيل حاصل وكأنها قد وُضعت وديعة لاستردادها بعد 17 سنة في حرب 1967 .

ما يؤلمني كثيراً هو الجهل او التجاهل او الغباء او التآمر بعدم الاطلاع على  مخططات العدو الصهيوني ونواياه نحو الاراضي المحتلة ، ذلك لان تلك النوايا والاهداف لم تكن سراً بل أُخذ بها قرار في مجلس الوزراء الاسرائيلي بعد اقل من اسبوعين من انتهاء الحرب ملخصه بإمكانية التفاوض على سيناء  والجولان مقابل سلام كامل  ، اما الضفة الغربية فلا ، فالحدود هي نهر الاردن ولمعالجة مشكلة الديمغرافيا يتم ايجاد سلطة محلية لادارة المناطق ذات  الكثافة السكانية الفلسطينية يديرها  الفلسطينيون او الاردن مع بقاء امور الدفاع والشؤون الخارجية والموارد المائية والاخرى تحت تصرف دولة الاحتلال . هكذا وبكل وضوح وهو ما يتم تنفيذه  بحرفيته اليوم  .  ‏وربما ‏اقوم بنشر مداولات  مجلس الوزراء الاسرائيلي كما وردت في ارشيفه  في مقال آخر تعميماً للفائدة .

***

وصلت الى عمان لازور ‏القدس بعد وفاة والدي سنة 1969. كان المسلحون الفدائيون في كل مكان  ينظُر ‏ الناس ‏اليهم باحترام بأمل أن يكونوا البديل عن النظام الرسمي العربي البائس و المهزوم الذي خسر الاوطان في ساعات . ‏كان هذا الشعور عابراً للهويات الضيقة المستحدثة ‏الناتجة عن حدود لم تصنعها الشعوب  بل كانت من صنع اعدائها. وكان “الفدائيون” عابرين للطبقات الاجتماعية. فمثلاً انضم الى الفدائيين الشيخ فهد الاحمد الصباح رحمه الله ( اخ الامير الحالي) ، كما انضم لهم ضباط وجنود ممن تركوا جيوشهم . لكن قادة المقاومة كانوا من الهواه ( لو احسنا الظن) من مهندسين، واطباء وأساتذة مدارس مثل صاحب الفخامة المناضل الكبير الرئيس المحبوب أوي محمود عباس الذي يفاخر بأنه لم يطلق رصاصة في حياته. منذ بداياتها لم تكن لهذه الحركة عقائدية او استراتيجية واضحة  وكان يمكن جرّها خطوة خطوة بعيداً عن الهدف الذي انشأت من اجله. فتم جرها مثلاً للاصطدام  بل والسعي الى دهاليز الحكم او التسلط كما حدث في الاردن ثم لبنان وهو امر حرص على تجنبه بحكمة حزب الله بالرغم من استفزازه  و محاولة جره لاستلام السلطة اكثر من مرة .  بل تم جر منظمة  التحرير الفلسطينية سنة 1974  في قمة الرباط اثناء مفاوضات كيسنجر السادات  لتصبح واحدة من النظام الرسمي العربي  الوظيفي لها ما له وعليها ما عليه. يستحضرني هنا نقطتين يحتاجان الى تفسير : اولهما كيف اختار ياسر عرفات معاونيه في الدائرة الضيقة المحيطة به بعدما اصبحت منظمة التحرير الفلسطينية اغنى ( ثورة خمس نجوم  ) في العالم ، حيث كان يتم اقتطاع 5% من رواتب الفلسطينيين في الخليج بالاضافة الى المساعدات الاخرى فتم تعيين شخص تركماني لا يعرفه احد كاتم اسرار  استثمارات المنظمة والشؤون المالية لياسر عرفات، في حين يوجد من الفلسطينيين الكفاءات وخبراء عالميون  في الشؤون المالية والمحاسبية  . والنقطة الثانية  من اين جاء بمحمود عباس استاذ  المدرسة الابتدائية او الثانوية في قطر ودون ان يعرف احد اصله وفصله ؟ لو كان مناضلا كجيفارا  لفهمنا ولكن السؤال كيف يأتي برجل يتفاخر بأنه لم يطلق رصاصة في حياته ولا يؤمن بالكفاح المسلح ، كيف يأتي به على رأس منظمة  شعارها البندقية وميثاقها يدعو الى التحرير عبر الكفاح المسلح ؟

****

‏بعد أن وصلني‏ التصريح لدخول القدس عبر الجسر كان ينتابني شعور لا استطيع وصفه لانه كان كوكتيل من الكآبة والغرابة‏ وحب الاستطلاع على وضع لم اكن اتصور حدوثه في يوم من الأيام. زرت قبر والدي في القدس رحمه الله ثم زرت الاقارب ثم بدأت لاشبع فضولي عن الواقع الجديد في فلسطين. ‏كان اكثر ما‏ يؤلمني وأريد ‏ان أفسره ما ‏قرأته ‏في الصحافة الأمريكية أن الاحتلال ‏يدير الضفة الغربية بحوالي 300 يهودي فقط. فوجئت ببساطة الاجابة وقوتها. قال لي احدهم وما الغرابة في ذلك ؟  فلان كان رئيس بلدية بيت لحم ايام الانكليز (الانتداب) ، وبقي نفسه ايام الاردن وهو اليوم نفسه مع اليهود. فلان كان رئيس بلدية الخليل مع الانكليز ثم الاردن ثم اليهود وعلى ذلك قس. فلان كان يعمل مع المباحث في الاردن واليوم يعمل مع اليهود. واضاف : كان  اخي مطلوبا سياسيا من الاردن وهو مطلوب اليوم من اليهود!  واضاف :  اختلف شيئ واحد ، وضعنا الاقتصادي أصبح افضل  . فمثلاً عامل النظافة  راتبه 4 مرات اكثر … ‏لم اجد كثيرا ما أقوله له سوى انكم ستدفعون باليسار ‏أضعاف ما اخذتموه باليمين ثم ستصبحون كالهنود الحمر بعد ان تخسروا وطنكم اذا لم تقاوموا الاحتلال. ‏وقلت في نفسي هذا هو جيل الهزيمة التي تم برمجته اثناء ‏الانتداب وما بعده ، و علينا أن ننتظر جيلا اخر!

وجاء هذا الجيل. كان من جيل الشباب الذي ولد و ترعرع تحت الاحتلال فأشعل ثورته الانتفاضة سنة 1987 لم تستطع كل اجهزة جيش الاحتلال ومخابراته من اخمادها لحوالي 6 سنوات . ‏كان حقد ثوار الخمس نجوم في تونس واليمن اشد حقدا من الصهاينة على قيادة الانتفاضة، فثوار الخمس نجوم الذين اعترفوا بتوهم بتسليم  78%  من فلسطين مقابل ورقة فقط يعترف بهم العدو انهم هم الممثلون للشعب الفلسطيني  كما  خولهم النظام الرسمي العربي وهم وحدهم المخولون لخيانة القضية الفلسطينية وتسليم ما تبقى من فلسطين. ارسل عرفات “عباسه” الى اوسلو مع موظف بنك في السعودية ليوقعوا اتفاقية اوسلو.كان اول ما فعله عرفات ان ارسل الى تل ابيب من وصفه بوش الابن بانه “our boy” لانشاء قوة من 15000 اسموها الامن الوقائي  تم انشاؤها بالمشاركة  مع المخابرات الصهيونية والامريكية وكان من باكورة اعمالها اعتقال والتنكيل بقيادة الانتفاضة ومنتسبيها، نعم عرفات قبل عباس نسق امنيا مع الاحتلال.

دعنا نستعرض اثنين من جيل الانتفاضة من بين الالاف  من جيل جديد سيرسل عصابة المافيا والتآمر الى مزبلة التاريخ.

***

كنت  في السيارة في احدى العواصم العربية استمع الى نشرة اخبار الظهيرة يوم  3/5/1989 جاء فيها ان شابا فلسطينيا هجم على جمع من الصهاينة في القدس بالسكين (الشبرية) وقتل اثنين وجرح ثلاثة وتم  القبض عليه. في النشرة المسائية قالوا ان اسمه نضال زلوم. كنت اعرف ان لاختي ابن بهذا الاسم لكنه كان صغيراً اخر مرة شاهدته. لكني تذكرت ان اخر مشاهدتي له كانت قبل عشرين سنة والصغير يصبح كبيرا. ولاحقا عرفت التفاصيل. اعتكف في المسجد الاقصى ليلة الحادثة وذهب ظهراً الى شارع مكتظ في القدس. قتل اثنين وجرح ثلاثة.  قال في وقت لاحق: “امسَكوا بي، واشبَعوني ضربا بحيث كُسرَت  علي عُصي غليظة  ولكن والله لم اشعر بأي ألم.” جاءت قوة من جيش العدو وطوقوا منزل ابيه في حي الاذاعة برام الله، وبعد ان كسروا كل شيئ داخل البيت  اخرجوا العائلة بملابسهم فقط الى الشارع  وسدوا الابواب والنوافذ بالطوب والاسمنت، تجمع المواطنون وخلال ساعات امنوا للعائلة سكنا كريما مفروشا، سأل القاضي نضال في محاكمته هل تشعر بالندم على فعلتك فاجابه نضال ابدا. حكمت عليه المحكمة مؤبد مكرر مرتين زائد 30 سنة تم الافراج عنه في صفقة شاليط  لكن اعاد الاحتلال اعتقاله لاكمال فترة عقوبته.

****

قد يشعر المرء بشيئ من الاحباط وهو يقرأ في هذا المقال عن وجوه كالحة لمعها الاستعمار والنظام الرسمي العربي لتتآمر على اهلها. لكن الحقيقة يجب فهمها عكس ذلك . هناك جيل جاهل ومتآمر في نهاية مدته لفظه حتى مشغليه من الصهاينة والصهيوامريكيون وهناك جيل جديد صاعد مجاهد يصنع المعجزات كما في غزة اليوم والضفة الغربية غداً .ومثل هؤلاء من اعتقلتهم عصابة المافيا وهم اليوم يصنعون التاريخ والمعجزات . ومثال احدهم محمد ضيف .

كان محمد ضيف احد شباب انتفاضة 1987 اعتقله الجيش الصهيوني   عام  1989 اثناء الانتفاضة الاولى  لمدة 16 شهر دون محاكمة ثم  اعتقلته السلطة اللاوطنية من متآمري اوسلو  حين دخولها غزة . تدرج   فأصبح قائداً فذاً ومن اكثر المطلوبين من اجهزة الامن الصهيونية . تم استهداف سيارته عام 2002  واستُشهد اثنين من مرافقيه وفقد احدى عينيه . سنة 2014 تم استهداف كل الحي الذي يسكنه بما فيه منزل لثلاثة طوابق تم استهدافه بستة صواريخ من طائرة اف 16 ، تم تسويته بالارض  فقد فيه محمد ضيف زوجته وطفلته . هذا المناضل  وزملاؤه طوّروا المقاومة وهي في سجن كبير لتخلق ردعا ضد جيش الاحتلال لم تستطع كل جيوش النظام الرسمي العربي من تحقيقه . كذلك طورت فئة اخرى مؤمنة قدرتها الصاروخية والدفاعية واستطاعت لوحدها ان تخلق ردعا مع العدو . هذه هي القدرات العجيبة لهذا الشعب والذي تتآمر ضده وضد منتسبيه في الضفة الغربية سلطة عميلة يجب ازالتها اليوم وليس غداً . أليس من العجائب والغرائب ان يصمد هؤلاء اكثر من ثلاثين يوما سنة 2008 مقابل اقوى جيش في المنطقة ، بل يصمد اكثر من خمسين يوما في اعتداء آخر سنة 2014 بينما لم تصمد جيوش الانظمة حتى لساعات؟ أليس عجيبا الا يستحي  المتخابرون المتآمرون مع العدو ان يسموا جهاد هؤلاء ارهابا؟

آن الوقت لنتخلص من وهم امكانية التعايش مع الفكر الصهيوني ووهم الدولتين وأنا أقول ما قاله شارون :” هذه الارض امّا لنا او لهم ” ولكنني أضيف انها لنا .

ما يحدث في العراق اليوم هو فرز بين مقاومين للاحتلال الامريكي ومقاولين لخدمته ويجب  الاصطفاف بوضوح مع  الفئة الاولى ضد الفئة العميلة .

مستشار ومؤلف وباحث

أقلام حرة

المصدر: د. عبدالحي زلوم

الأربعاء 01 تموز , 2020 11:54
تابعنا على
أخبار ذات صلة
الأحدث
شاشة الواقع السعودي
من نحن
.
نبذة عن الموقع
.
إتصل بنا
.
شروط الاستخدام
© 2020 - الواقع السعودي. جميع الحقوق محفوظة.
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي