الخليج التلمودي.. الحكايات العبرانية وجرذان التلمود البيضاء .
الخليج التلمودي.. الحكايات العبرانية وجرذان التلمود البيضاء .

بقلم: نارام سرجون

ربما لايعرف أهل الخليج ان أهميتهم لم تكن بسبب نفطهم ولا أموالهم .. بل بسبب فلسطين .. فالبترول صار سلعة سياسية منذ عام 1973 عندما اهتزت البورصات في العالم وقلق المستثمرون في سوق النفط ان تتطور الحرب الى اشتباك بين الشرق والغرب .. فارتفع سعر النفط فيما كانت الدماء السورية والمصرية باتجاه فلسطين هي التي رفعت من رصيد النفط العربي .. ولكن أهمية الدول النفطية قبل عام 73 كانت بسبب فلسطين .. فطالما ان الخليج منضبط بالصراع العربي الاسرائيلي فانه اكتسب اهمية .. وخروجه من هذا الصراع سيحوله الى عالم من رمل بلا وزن سياسي .. وهاهي ايران بلغت ثقلها السياسي من اقترابها من فلسطين فيما خف وزن مصر السياسي كثيرا منذ ان ابتعدت عن فلسطين .. فالغرب كان شغله الشاغل مصر بدورها الفلسطيني .. وعندما خرجت مصر وقررت معادلة مصر أولا وحددت دورها المحصور في قناة السويس لم تعد فاعلة في السياسة الدولية الا كشاهد وسمسار .. فمنصة العالم كله هي فلسطين بما يمثله المشروع الصهيوني من رأس جسر وارادة غربية .. وهاهي ايران وتركيا نموذجان .. فايران محور اهتمام العالم ليس بسبب نفطها الذي يضاهي نفط الخليج بل بسبب اقترابها من فلسطين .. وتركيا عندما اقتربت من فلسطين بمسرحيات مرمرة وديفوس ارتفع رصيدها الدولي والاسلامي .. وتعزز كثيرا عبر اقترابها من سورية التي هي أم فلسطين ..

التطبيع مع الاسرائيليين لم يبدأ اليوم بل بدأ منذ ان تم اعلان الحرب على حزب الله عام 2006 .. ربما بدأ السادات والمطبعون في الاردن ثم ترسخ مشروع التطبيع باتفاق اوسلو الذي وضع حجر الاساس له .. ولكن كان هذا التطبيع من فوق .. حيث النخب السياسية والحكومية .. الى ان حدثت حرب 2006 بين حزب الله واسرائيل .. في تلك الحرب ظهر اول موقف تطبيعي مع اسرائيل عندما دعا العرب علنا الى عدم الدعاء في الصلوات لنصرة لحزب الله في مساجد الخليج  ويدعو ضمنيا عليه بالهلاك في الحرب .. ومنعت السعودية الطائرات الايرانية من العبور عبر اجوائها لاعتبارها تمد حزب الله بأسباب الصمود .. وهذا يعني اول اصطفاف علني للخليج الى جانب اسرائيل بشريحة دينية واجتماعية رأت في الحرب عدوا هو حزب الله وليس اسرائيل ..

ثم جاءت الموجة الثانية من التطبيع عبر الموجة الاسلامية التي اطلقت الربيع العربي والتي تحالفت مع الناتو .. وهذا يعني ان ثمن التحالف مع الناتو هو ازالة اثار العداوة الرئيسية بيننا وبين الناتو .. اي اسرائيل .. فنحن في الشرق ليس بيننا وبين الناتو اي عداء وقضايا مشتركة واحتكاك مباشر الا عبر قضية فلسطين واسرائيل .. وفلسطين هي مصدر العداء والكراهية بيننا وبين الناتو وليس صراعه مع الشيوعية او اميريكا اللاتينية او حربه في كوريا او فييتنام .. وافتى القرضاوي بالتحالف مع الناتو من أجل الثورات العربية .. وهذا يعني ان كل صديق للناتو صار حليفا .. ومن ضمنه اسرائيل .. حتى توج ذلك برسالة العار والفضيحة بين محمد مرسي الاخواني وصديقه العظيم بيريس .. وهذه كانت اول تطبيع سياسي اسلامي على الاطلاق .. ثم بدأ الثورجيون والمعارضون السوريون عملية تعويم اسرائيل في الذهن العربي على انها ليست العدو بل هي الحليف .. فهي تقاتل مع السوريين ضد ايران وحزب الله والاسد .. وطائراتها تقصف دمشق عاصمة (الأسد) وليست عاصمة العرب او المسلمين .. وجرحى السوريين تعالجهم اسرائيل .. والمعارضة السورية تهلل لضربات اسرائيل على الجيش السوري .. وكل هذا كانت اسرائيل تروجه من اجل ايصال العقل العربي الى ان اسرائيل صارت مع العرب ..

اليوم يحاول الخليجيون اكمال المهمة التي بدأت عام 2006 واستمرت طوال الربيع العربي ولم تتوقف .. ومايحدث ليس جديدا بل مزعج لوقاحته في ان يحقن سكان الخليج بعبارات تلمودية تقول في انهم دفعوا اثمانا لوقوفهم الى جانب فلسطين وأن فلسطين ليست قضيتهم .. رغم انهم كسبوا من اسم فلسطين الكثير .. وان اهميتهم جاءت من انهم كانوا في معسكر فلسطين على الأقل كشهود .. ولولا ذلك لاأهمية لهم ولاقيمة ولالون ولارائحة الا رائحة النفط والهجن .. وربما سيجني الفلسطينيون الكثير بخروج الخلايجة من المعادلة الفلسطينية لأن وجود المال الخليجي هو الذي أفسد الثورة الفلسطينية .. لأنه صار يشتري المواقف والاشخاص .. بدليل شراء قطر لقيادات حماس بالمال ابان الحرب السورية .. كما أن المال الخليجي استعمل من قبل اسرائيل بمهارة ليدمر كل اعداء اسرائيل .. فالمال الخليجي حارب ناصر وصدام حسين والخميني والاسد ونصرالله والقذافي .. والشيء المشترك لهؤلاء هو انهم كانوا ضد اسرائيل ..

مالايدركه الخليجيون ولكن يدركه الاسرائيليون تماما ان الخليج والثروة يمكن ان تثير بعض الغبار والعواصف الرملية  ولكن لايمكن ان تقرر مصير صراع تاريخي ووجودي وثقافي بهذا العمق وهذه الخطورة والاهمية .. فهذه التحركات والرقصات التطبيعية مجرد بهلوانيات وأفلام كرتون في المعركة .. من يقرر مصير اسرائيل ليس رأس الخيمة ولاجدة ولاأم القيوين .. بل بابل ونينوى ودمشق ومصر .. اي ان قدر اسرائيل يتحدد بالقوى التي بين الفرات والنيل وليس بين الفجيرة والخفجي .. وهذا هو سر معادلة (من الفرات الى النيل) التي تعيش اسرائيل هاجسها لأن من يقلب مزاج الفرات والنيل هو مايقرر مصير اسرائيل منذ ان كتب التلمود والتوراة .. ومزاج الارض بين الفرات والنيل لم يتغير .. حتى مصر الغائبة فانها غائبة لأنها تنتظر انتصارا يوقظها .. فبمجرد ان تخسر اسرائيبل اي معركة قادمة فان مصر ستنسى كامب ديفيد .. ولكن كامب ديفيد مثبتة بمسامير هزائم متلاحقة منذ عاصفة الصحراء الى اسقاط بغداد .. والدليل ان حرب 2006 جعلت صور حسن نصر الله تطوف في مساجد مصر وتزور بيوتها وتوقظ المشاعر الوطنية والحماسية كما كانت صور عبد الناصر تطوف بيوت الشرق كله ..
غني عن القول ان الغاء اتفاق اوسلو أساسي في جعل التطبيع متعثرا .. ولكن اي هزيمة عسكرية في اي مواجهة ستدمر التطبيع لأن المطبعين يحسون ان اسرائيل تحميهم .. فاذا هزمت واندلعت النار فيها فان الجرذان البيضاء والسمراء التي عاشت على أطراف كومة القمامة المتطرفة الصهيونية ستلوذ بالفرار ..

النصر هو الذي سيقتل التطبيع بالضربة القاضية ولن تقوم له قائمة بعدها .. ولاشك ان هزيمة واحدة مجلجلة لاسرائيل – وهي متوقعة -وينهار كل هذا التطبيع وتختفي فئرانه بين الشقوق وفي الحفر وفي فتحات الصرف الصحي للشرق الاوسط .. ويخبو صوت التطبيع وتنطفئ كلماته التافهة كعقب سيكارة ملتهب يرمى في ماء النهر ..

أقلام حرة

المصدر: نارام سرجون

الأحد 17 أيار , 2020 08:02
تابعنا على
أخبار ذات صلة
الأحدث
شاشة الواقع السعودي
من نحن
.
نبذة عن الموقع
.
إتصل بنا
.
شروط الاستخدام
© 2020 - الواقع السعودي. جميع الحقوق محفوظة.
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي