أردوغان ينتشر في إدلب.. فيختفي الجولاني
أردوغان ينتشر في إدلب.. فيختفي الجولاني

عبدالله سليمان علي

تسود في أوساط الفصائل المسلحة حالةٌ من الخواء الاستراتيجي نتيجة التقدّم المتسارع للجيش السوري في جبهتي إدلب وحلب. وقد زادت مواقفُ أنقرة الأمورَ تعقيداً بسبب ما يصدر عنها من إشارات متناقضة. كذلك، لم يؤد نزول الجيش التركي إلى الميدان السوري إلى تصحيح الخلل الحاصل.

يبدو أنّ العملية الجراحية الجذريّة التي يقوم بها الجيش السوريّ في إدلب لم تُفض إلى إحداث تغييرٍ استراتيجيّ في خريطة السيطرة وحسب، بل تعدّت ذلك إلى ضرب قناتين أساسيتين: الأولى، علاقة الثقة المتبادلة بين أنقرة من جهة والفصائل المسلحة من جهة أخرى، والثانية، تتمثل في المعنويات القتالية للقادة والمقاتلين الذين لم يسبق لهم أن اختبروا ما يماثل كثافة الهزائم العسكرية التي عصفت بهم خلال الأسابيع الماضية.

ويصف البعض عملية الجيش السوري في إدلب وسرعة تقدمه فيها بـأنه “تسونامي” أدى إلى قلب المنطقة رأساً على عقب، “ولا أسباب واقعية من الناحية العسكرية تبرّر ما حصل ويحصل حالياً. إنه أمر لم نكن نتصوره حتى في أسوأ كوابيسنا”، كما يقول مصدر إعلامي مقرب من الفصائل المسلحة.

وأضاف المصدر الذي رفض الكشف عن اسمه كونه ما زال متواجداً في إدلب ويخشى على أمنه الشخصي، حسب ادّعائه، “السبب الوحيد الذي يفسّر ما جرى هو غياب إرادة القتال”، ويردف: “أنقرة والفصائل المسلحة والهيئة)، في إشارة إلى “هيئة تحرير الشام”، وقعوا في فخ نصبوه لأنفسهم، إذ بنوا استراتيجيتهم على أن المعركة هي معركة سياسية بامتياز لها ضوابط وحدود، وقد ساهم ذلك في تخدير دافع القتال نظراً للاعتقاد بأن ما يجري هو تنفيذ للاتفاقات الموقعة سابقاً سواء في أستانا أو سوتشي وبالتالي لا فائدة من محاولة مقاومته أو تعديله”.

“ومع وصول قوات النظام إلى مشارف مدينة سراقب ومحاولتها التمدّد غرباً مستهدفة أول مجموعة من الجنود الأتراك، كان السيف قد سبق العذل، حيث أفاق الجميع على حقيقة أن مخطط النظام ومن ورائه الاحتلال الروسي ليس له سقف محدّد ويمكن أن يجتاح المنطقة بأكملها”، حسب المصدر نفسه.

وقد أظهرت التطورات الميدانية الأخيرة وجود ثغرات لا يُستهان بها في قنوات التنسيق العسكري والأمني بين أنقرة ومجموعة الفصائل المتواجدة على الأرض. ويذهب مصدر مقرب من “جبهة النصرة” إلى القفز فوق “ضعف التنسيق”، مشيراً إلى وجود شكوك بأن أنقرة “تعمدت عدم وضع الفصائل في صورة ما يجري ومآلاته الحقيقية وهو ما أدى إلى حالة شلل أصابت الفصائل في مواجهة تقدم قوات العدو النصيري”، على حد تعبير المصدر.

وقد بدأ مسار “التضليل التركي”، حسب شرح المصدر السابق، “منذ الترويج لإمكانية عودة الدعم الأميركي للفصائل المسلحة. حيث ألمح ضباط أتراك اثناء اجتماعهم بقادة الفصائل منتصف الشهر الماضي أن أنقرة طلبت دعماً عسكرياً ولوجستياً من واشنطن، وأن الاتفاق قيد التحقق قريباً. وبرغم أن ذلك جاء بعد يوم واحد من تصريح وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو حول “ضرورة أن تقوم المعارضة السورية بحماية نفسها من هجمات الأسد”، ما اعُتبر، وقتذاك، بمثابة إشارات متناقضة من قبل الجانب التركي، إلا أن ذلك لم يمنع قيادات “الفصائل” من الميل للاعتقاد بوجود غطاء دولي سيمنع قوات النظام من القيام بعملية عسكرية كبيرة في المنطقة.

وحدثت فجوة أخرى عندما اقتربت قوات الجيش السوري من مدينة سراقب، حيث شهدت الأجواء إسقاط أول مروحية عسكرية سورية في 11 فبراير/شباط 2020، الأمر الذي فُسّر على أنه تنفيذ للتهديدات التركية التي أعقبت مقتل خمسة من الجنود الأتراك. وقد ترك التشدد التركي إزاء تقدم الجيش باتجاه سراقب انطباعاً لدى قادة “الفصائل” بأن الكوابح التركية تمثلت باستخدام صواريخ مضادة للطائرات من شأنها “فرملة” العجلات السورية، لكن ذلك لم يحدث واستمر تقدم قوات النظام وأصبح الحديث حالياً عن مرحلة ما بعد سراقب، برغم “الرسائل النارية” التي تم تبادلها في النيرب في الساعات الأخيرة.

وفي هذا السياق، أكّد المصدر المقرب من “جبهة النصرة” أنه ليس هناك معلومات واضحة حول الجهة التي قامت بإسقاط المروحيتين السوريتين، الأولى، في سراقب، والثانية، بعدها بثلاثة أيام في ريف حلب، مشيراً إلى عدم تبني أي فصيل للعمليتين برغم أهميتهما، وهو ما قد يشير، بحسب المصدر، إلى أن ضباطاً في “الجيش الوطني” أطلقوا الصواريخ باتجاه المروحيتين السوريتين، بإشراف تركي مباشر. ويستند المصدر في تأكيد قناعته السابقة على أنه “ليس لدينا اطلاع على استلام أي فصيل لصواريخ مضادة للطائرات ولم نرَ هذه المضادات على الجبهات قبل هاتين الحادثتين أو بعدهما”.

وما كان يشار إليه على أنه “سوء تنسيق” بين أنقرة والفصائل تحوّل في ريف حلب الشمالي الغربي إلى شكوك حول الدور التركي وخلفياته وحقيقة الأهداف التي تسعى أنقرة إليها. وقد برز ذلك من خلال قيام فصيل “فيلق الشام” المحسوب على أنقرة بالانسحاب من تلك المنطقة، وهو ما اضطر أبو ابراهيم سلامة قائد “جيش عمر” في “هيئة تحرير الشام” للانسحاب في اليوم التالي من جمعية الزهراء وعندان ثم من باقي المناطق وسقوطها جميعاً بيد الجيش السوري على نحو غير متوقع.

وبرغم أن الهزائم العسكرية المتلاحقة التي تعرضت لها الفصائل المسلّحة أصابت أيضاً أنقرة في الصميم، كونها كانت تعتبر نفسها مشرفة على ملف إدلب، وكون أية خسارة جغرافية تأكل من رصيد تركيا ونفوذها، يمكن القول أن أنقرة حققت بعض المكاسب الهامّة. وتتمثل هذه المكاسب في نشر الآلاف من جنودها والمئات من مدرعاتها ودباباتها وآلياتها على مساحات شاسعة من الأراضي السورية في محافظة إدلب.

وأول ما يتبادر إلى الذهن أن أنقرة تريد من وراء هذا الانتشار المكثف تحقيق هدف واحد هو وقف تدهور الجبهات ومنع قوات الجيش السوري من تحقيق أي تقدم جديد على الأرض في انتظار ما يمكن أن تسفر عنه محادثاتها مع الجانب الروسي، برغم المؤشرات التي أعطتها موسكو لأنقرة بأن لا عودة إلى الوضع السابق.

ولكن ثمة نتيجة هامة أخرى انبثقت عن نزول الجيش التركي بعديده وعتاده إلى أرض الميدان، وهي أن “التركيّ” أصبحت له الكلمة العليا على الأرض وليس للفصائل، ما يعني بعبارة أخرى أن تواجد الأصيل سحب البساط من تحت أقدام الوكيل. وسوف تكون لذلك تداعيات في غاية الأهمية على صعيد أدوار الفصائل وعلاقاتها بعضها ببعض.

فإذا صحّ أن الانتشار التركي سينشىء “خط تماس” يمتد من دارة عزة إلى تفتناز مروراً ببنش ومدينة إدلب وجبل الزاوية وصولاً إلى جسر الشغور، وذلك لمنع تقدم الجيش السوري تحت طائلة حدوث صدام مباشر بين الجيشين، فإن ما يصحّ، في المقابل، هو أن خط التماس الجديد سيكون له أيضاً تأثير مباشر على الفصائل المسلحة التي لن تستطيع بدورها أن تتجاوزه إلا بموافقة الأتراك.

وفي هذا الإطار، توقّع مصدر إعلامي يعمل في إدلب لتغطية المعارك ويصف نفسه بالمستقلّ، أن يترتب على الحضور التركي إنعدام حضور أبي محمد الجولاني ودوره في قيادة العمليات والتحكم بما تبقى من أرض في إدلب. وقال المصدر الإعلامي إن هذا التطور يُنظر إليه في “هيئة تحرير الشام” على أنه سلاح ذو حدّين. فمن جهة، سيساهم في تخفيف الضغط العسكري عن “الفصائل”، لكنه، من جهة أخرى، سيجعل جميع “الفصائل” بما فيها “الهيئة” مجرد “إكسسوارات” في الماكينة العسكرية التركية.

وليست المعضلة التي ستواجه الجولاني بفعل الوضع الناشىء هي “معضلة شرعية” تتعلق بجواز القتال تحت راية الجيش التركي “العلماني المرتد” وحسب، بل هي تعبير عن أزمة ثقة لأن الجولاني لا يثق لا بأنقرة ولا بـ”الجيش الوطني” الذي تدعمه. ويأتي ذلك على خلفية إدراكه أن المقترحات التركية لتسوية الوضع في إدلب لم تخرج يوماً عن إطار وجوب حل “هيئة تحرير الشام” وإلحاق مناطق إدلب بمناطق درع الفرات وغصن الزيتون ووضعها جميعاً تحت إدارة الحكومة المؤقتة التابعة للائتلاف وليس حكومة الانقاذ التي شكّلها الجولاني.

ثمة تطورات متسارعة، سياسية وميدانية، في الشمال السوري، ولن تقتصر تأثيراتها على إدلب، بل على مجمل المشهد السوري بتقاطعاته الإقليمية والدولية.
وبرغم أن الهزائم العسكرية المتلاحقة التي تعرضت لها الفصائل المسلّحة أصابت أيضاً أنقرة في الصميم، كونها كانت تعتبر نفسها مشرفة على ملف إدلب، وكون أية خسارة جغرافية تأكل من رصيد تركيا ونفوذها، يمكن القول أن أنقرة حققت بعض المكاسب الهامّة. وتتمثل هذه المكاسب في نشر الآلاف من جنودها والمئات من مدرعاتها ودباباتها وآلياتها على مساحات شاسعة من الأراضي السورية في محافظة إدلب.

وأول ما يتبادر إلى الذهن أن أنقرة تريد من وراء هذا الانتشار المكثف تحقيق هدف واحد هو وقف تدهور الجبهات ومنع قوات الجيش السوري من تحقيق أي تقدم جديد على الأرض في انتظار ما يمكن أن تسفر عنه محادثاتها مع الجانب الروسي، برغم المؤشرات التي أعطتها موسكو لأنقرة بأن لا عودة إلى الوضع السابق.

ولكن ثمة نتيجة هامة أخرى انبثقت عن نزول الجيش التركي بعديده وعتاده إلى أرض الميدان، وهي أن “التركيّ” أصبحت له الكلمة العليا على الأرض وليس للفصائل، ما يعني بعبارة أخرى أن تواجد الأصيل سحب البساط من تحت أقدام الوكيل. وسوف تكون لذلك تداعيات في غاية الأهمية على صعيد أدوار الفصائل وعلاقاتها بعضها ببعض.

فإذا صحّ أن الانتشار التركي سينشىء “خط تماس” يمتد من دارة عزة إلى تفتناز مروراً ببنش ومدينة إدلب وجبل الزاوية وصولاً إلى جسر الشغور، وذلك لمنع تقدم الجيش السوري تحت طائلة حدوث صدام مباشر بين الجيشين، فإن ما يصحّ، في المقابل، هو أن خط التماس الجديد سيكون له أيضاً تأثير مباشر على الفصائل المسلحة التي لن تستطيع بدورها أن تتجاوزه إلا بموافقة الأتراك.

وفي هذا الإطار، توقّع مصدر إعلامي يعمل في إدلب لتغطية المعارك ويصف نفسه بالمستقلّ، أن يترتب على الحضور التركي إنعدام حضور أبي محمد الجولاني ودوره في قيادة العمليات والتحكم بما تبقى من أرض في إدلب. وقال المصدر الإعلامي إن هذا التطور يُنظر إليه في “هيئة تحرير الشام” على أنه سلاح ذو حدّين. فمن جهة، سيساهم في تخفيف الضغط العسكري عن “الفصائل”، لكنه، من جهة أخرى، سيجعل جميع “الفصائل” بما فيها “الهيئة” مجرد “إكسسوارات” في الماكينة العسكرية التركية.

وليست المعضلة التي ستواجه الجولاني بفعل الوضع الناشىء هي “معضلة شرعية” تتعلق بجواز القتال تحت راية الجيش التركي “العلماني المرتد” وحسب، بل هي تعبير عن أزمة ثقة لأن الجولاني لا يثق لا بأنقرة ولا بـ”الجيش الوطني” الذي تدعمه. ويأتي ذلك على خلفية إدراكه أن المقترحات التركية لتسوية الوضع في إدلب لم تخرج يوماً عن إطار وجوب حل “هيئة تحرير الشام” وإلحاق مناطق إدلب بمناطق درع الفرات وغصن الزيتون ووضعها جميعاً تحت إدارة الحكومة المؤقتة التابعة للائتلاف وليس حكومة الانقاذ التي شكّلها الجولاني.

ثمة تطورات متسارعة، سياسية وميدانية، في الشمال السوري، ولن تقتصر تأثيراتها على إدلب، بل على مجمل المشهد السوري بتقاطعاته الإقليمية والدولية.

عربي وإقليمي

المصدر: عبدالله سليمان علي

الجمعة 21 شباط , 2020 08:07
التعريفات :
تابعنا على
أخبار ذات صلة
الأحدث
شاشة الواقع السعودي
من نحن
.
نبذة عن الموقع
.
إتصل بنا
.
شروط الاستخدام
© 2020 - الواقع السعودي. جميع الحقوق محفوظة.
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي