التابعون أو التوابع Minions ..
التابعون أو التوابع Minions ..

وليم ياسين عبد الله

إن لم تكن الأول في قول المعلومة أو الخبر فأنت حتماً تابع للأول الذي قالها.

هل تساءل أحدكم من هو الشخص الأول الذي ينشر الخبر؟

حسناً سأبسّط الفكرة أكثر، منذ ثلاثة أسابيع أو أكثر ضجّ الفيسبوك بقصة "بيرقدار" وبدأت الناس بمهاجمتها ، لكن هل تساءل أحدٌ من هو الشخص الأول الذي قال أنّ بيرقدار على شاشة الإعلام الوطني وهي من كوادر تلفزيون أورينت؟ لا تنفعلوا وتبدؤوا التعليقات، بل توقفوا وتذكروا ، من أين علمتم أنّ بيرقدار على شاشة الإعلام الوطني؟؟؟ هل علمتم من التلفاز؟؟ قطعاً لا، فمتابعيّ التلفاز قلائل وحتى إن كان هناك من يتابع التلفاز ورأى لقاء بيرقدار لن يخطر بباله أنها هي نفسها المذيعة في تلفزيون أورينت، إذاً من هو الشخص الأول الذي أطلق حملة مهاجمتها على الفيسبوك؟؟؟ لا أحد يعرف...

بعد أيام، بدأت حملة "إيلي فغالي" التي أنهت حكاية بيرقدار، وهنا أتساءل، هل كنتم فعلاً تفكرون به، أم أنكم فتحتم الفيسبوك ورأيتم الناس تطلق النكات عليه فبدأتم المشاركة في إطلاق النكت عليه، وعندما بدأ لقائه في رأس السنة كنتم مستعدين "لنشح عرضه" على الفيسبوك وأيضاً عندما فتحتم الفيسبوك لم تكونوا أول من يتحدث عنه ، هل تساءلتم بوقتها من هو أول شخص أطلق حملة السخرية عليه؟؟ لا أحد يعرف...

بعد أيام بدأت هجمة "نجوى قاسم" التي أنهت حكاية فغالي، وبدأ الناس في شتمها وآخرون أخذوا منحى الموضوعية في حرية رثائها، لكن هل تساءل أحدٌ من هو أول من كتب عن نجوى قاسم وشتمها؟؟ لا أعتقد أن أحداً يعرف، لكن بمجرد فتح الفيسبوك ورؤية عشرات البوستات عن نجوى قاسم، فستعمل الذاكرة وتقول أنها كانت تحرض على القتل في تلفزيون العربية مع العلم أنّ الذين هاجموها هم مقاطعين تلفزيون العربية منذ أكثر من ثمانية أعوام دون أن ينتبهوا إلى ذلك، وأنا هنا لا أقول أنّهم نسوا أخبار العربية ، ولكن أؤكد أنهم لو لم يروا المنشورات المهاجمة لها على الفيسبوك لما خطر ببالهم أن يهاجموها، وهنا نعود للسؤال، من هو أول من أثار قصة نجوى قاسم؟ لا أحد يعرف...

بعد أيام قليلة بدأت حكاية اغتيال " قاسم سليماني" والتي أنهت أيضاً حكاية نجوى قاسم، وانطلقت حملة كبيرة تمّجد بطولاته رغم أنّ "قا سم سليما ني" لا يعرفه إلاّ الجنود الذين حاربوا إلى جانبه بالإضافة إلى بعض الشخصيات السياسية والعسكرية، ولكن ما رأيناه في الفيسبوك هو آلاف الأشخاص الذين يمجدون بطولاته ولو سألتهم عن أي بطولة له، لما عرفوا شيئاً، ولكن المشكلة لم تكن هنا، بل في أنّهم بدأوا بتحويل قصته إلى ثأر غير منتبهين إلى أنّ حكاية الثأر ليست من صفات الدولة الحكيمة بل هي من صفات القبائل، وهكذا بدأت صورة إيران تتقلص إعلامياً لتصبح قبيلة تطالب بالثأر وليست دولة تخطط وتضرب حسب الظروف والإمكانيات، وبعد أيام قليلة قامت إيران بضرب قاعدة أميركية لتبدأ حملة الانتصارات الفيسبوكية والتي لم تأت ِ من فراغ بل كانت مشحونة منذ أيام، محوّلين هذه الضربة إلى نصر عظيم وهم بذلك قد قوّضوا الرد الإيراني على اغتيال أحد أهم القادة العسكريين لديها بمجرد قصف لقاعدة أميركية، وفي ذلك الوقت بدأت الكثير من المواقع المزورة التي تنطق باسم الخارجية الأميركية أو اسم ترامب لتنشر أخباراً كاذبة كان من شأنها امتصاص الانفعال عند الشعوب وتقنعهم أنّ هذه الضربة هي الثأر الذي كانوا يبحثون عنه وتنهي بذلك فكرة أي انفعال شعبي لاحق، وهنا نتساءل من كان أول من أطلق هذه الحملات للتشييع ومن ثم للثأر ومن ثم لضربة القاعدة الأميركية، والآن لفضيحة طائرة الركاب الأوكرانية؟؟  لا أحد يعرف...

هاجت الناس من جديد على حكاية نانسي عجرم التي حرفت البوصلة قليلاً عن معركة أميركا وإيران لكنها لم تجد لها مكاناً في رؤوس الناس، ثم حاول البعض إثارة حكاية الرئيس العماني لكنها كانت إثارة خجولة، والسبب هو أنّ المحرّض الأساسي لم يهتم كثيراً لهاتين القصّتين بل أطلقهما كنوع من متابعة إشغال الناس بشيء ما وهو ما يمكن أن نسميه "الحفاظ على الخط الدرامي" وهذا يعني أنّ هناك قصص أخرى ستحدث وبحاجة للترويج.

وأسوق على سبيل المثال قصص الانتحار عن جسر الرئيس وهي قصص يتم إطلاقها وترويجها لأسباب أخرى لا تتعلق بتسليط الضوء على الحالة الاقتصادية وإنما لربط حالة المجاعة والانتحار والسخط بمفردة الرئيس والتي سيكون لها دور مهم في عام 2021 و قد يبدو هذا الكلام مبهماً لكن سيكون واضحاً بعد عام من الآن وهو برمجة اللاوعي على زيادة النفور من الرئيس لمحاولة إسقاطه في الانتخابات القادمة ولن يكون غريباً أن تشهد الفترة التي ستسبق الانتخابات خطاباً آخر سيتم نشره وترويجه والذي من شأنه إيجاد الحل البديل للمجاعة والفقر لسحب الناس إليه وإبعادهم عن التصويت للرئيس، وهنا إذا ما بحثنا من المُصّدر الأول للخبر لن نعرف وإنما نتداول الاتهامات بالنسخ واللصق ولا أحد فكر بالبحث عن "الأول" الذي نشر الخبر...

لماذا اخترت عنوان المقالة "Minions" ؟

معظمنا تابع هذا الفيلم ولكن لم يخطر ببالنا أن نفكر بأبعاد الاسم " التابعون" ولم نفكر ولو للحظة أن هؤلاء لا يتحدثون بل هم فقط ينفذون، رغم أنهم يمتلكون حسّ الدعابة والدم الخفيف لكن و رغم ذلك هم لا يقررون بل يتّبعون الأوامر...

اللون الأصفر هو لونهم جميعاً، لون الذهب الذي يسيطر على العقول البشرية، هذا اللون هو نفسه الذي تتمتع به شخصيات "سيمبسون" والذي تصدّر شاشاتنا وصفحاتنا الفيسبوكية لفترة من الزمن على أنه هو الذي يمتلك النبوءات لكل ما يحدث، و هدفه هو أن يقودنا للشيء الذي يريده وليس ليعطينا المعلومات ، وقد نجح على مستوى العالم في رهانات نهائيات كأس العالم وكلنا نعرف أن البرنامج كان قد حاول الترويج للفريقين البرتغالي والمكسيكي محمّلاً هذا الترويج رسالة مضمرة وهي أن يكون الرهان عليهما وهنا تمّ كسب مئات الملايين من الدولارات في الرهانات التي حدثت لأن هذين الفريقين لم يتأهلا للنهائيات وبالتالي المراهنات عليهما خسرت بالكامل وكان المستفيد هو الذي يعرف اللعبة وراهن ضدهما، وليست المشكلة ببعيدة عن موت ترامب ورغم أنّ الكثيرون يعتقدون أنّ النبوءة قد تصدق أو تكذب إلاّ أنهم وفي عقلهم الباطن يعتقدون أن أميركا ستكون نهايتها وخيمة سيّما وأنّ ترامب نجح بإقناع العالم أنه شخص متهوّر ومجنون، وهكذا حجم التفكير في مواجهة الخطر الأميركي هو خجول بالمطلق يعني أنّ أميركا هي مجرّد فزاعة تشدّ الأبصار إليها في وقت يصول الكيان الصهيوني ويجول في كل البلدان ويبدأ استثماراته على مرأى ومسمع من الجميع تحت أسماء مختلفة.

ونعود للون الأصفر من جديد الذي هو لون الذهب والذي من أهم أسراره قدرته القوية على جذب الانتباه وجعله المادة المنشودة، وكلنا نعلم أنّ الألماس أثمن منه لكن ورغم ذلك لا أحد يفكر بالألماس وإن كان هناك أثرياء يشترون قطع ألماس ويهدونها لحبيباتهم فإن الخبر يمرّ مرور الكرام بسبب ضعف قدرة الألماس على شدّ الانتباه كما يفعل الذهب. ولم يتوقف اللون الأصفر عند البرامج التي كان من شأنها استقطاب الناس لنرى من جديد أنّ لون "لوغو الجزيرة" هو الأصفر أيضاً، هذه المحطة التي نجحت على مدى عشر سنوات باستقطاب المشاهدين من كل الوطن العربي لتكون هي المرجع الأساسي للمعلومة حتى كانت الضربة القاسمة لهم في نهاية العام 2010 ، وقادت هي الأحداث في مصر وتونس وليبيا وختمتها في سورية.

والآن نعود للسؤال، هل نحن نعرف من هو الشخص الأول الذي يطلق المعلومة على الفيسبوك؟؟ بالطبع لا، لأن من يطلقها هو الذي يتحكم بنا، ونحن مجرد تابعين كالمخلوقات الصفراء في فيلم "التوابع" دون أن ننتبه إلى ذلك، والفيسبوك هو الذي اخترق المجتمعات وهو الذي يديرها حسبما يقرر مشغليّه، ورغم أننا نعي هذه الحقيقة إلاّ أننا لا يمكن أن نترك الفيسبوك لسبب بسيط، وهو أنّ الفيسبوك ذاته يمنعنا من ذلك.

أقلام حرة

المصدر: وليم ياسين عبد الله

الجمعة 17 كانون الثاني , 2020 12:33
التعريفات :
تابعنا على
أخبار ذات صلة
الأحدث
شاشة الواقع السعودي
من نحن
.
نبذة عن الموقع
.
إتصل بنا
.
شروط الاستخدام
© 2020 - الواقع السعودي. جميع الحقوق محفوظة.
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي