السعودية ليكس: عندما تلعب مع المجانين.. الأمير الأرعن الذي يقامر بدمائنا
السعودية ليكس: عندما تلعب مع المجانين.. الأمير الأرعن الذي يقامر بدمائنا

عندما تلعب مع المجانين

ابراهيم الأمين

أذكر عندما انطلقت «الأخبار»، كتب الراحل جوزيف سماحة نقداً لقيادة المملكة السعودية. ثم هاجم الزميل أسعد أبو خليل العائلة الحاكمة، كما نُشرت مقالات نقدية قاسية لأداء الحكم السعودي سياسياً وداخلياً. يومها، لم تكن الأبواب موصدة أمام شيء من الحوار. اتّصل بي مسؤول سعودي لأجل عقد اجتماع عاجل. فهمت أن هدفه البحث في ما ينشر في «الأخبار». كان الرجل سريعاً وصريحاً: «نحن نتعاون مع غالبية وسائل الإعلام في لبنان، ومنذ سنوات طويلة جداً نجحنا في تنظيم علاقات منعت التعرّض إلى قيادتنا وملكنا. ونحن نعرف أن لكم خطّكم السياسي الخاص. لكن، لماذا لا نتفق على تحييد قيادتنا وملكنا عن النقد، حتى ولو ظلّ هناك من ينتقد مواقفنا من هذه المسألة أو تلك. نسمع أن «الأخبار» تحصل على دعم مباشر من إيران وسوريا وقطر... يا أخي، أنتم أحرار، ولا مشكلة لدينا، لكن ما هي المشكلة عندكم إذا أضفتم السعودية إلى لائحة الدول الداعمة؟».

يومها، شعرت بصعوبة أن يستمع مسؤول سعودي إلى أحد يقول له: الأمر ليس على هذا النحو، أعرف أنه سيكون صعباً عليك الاقتناع بأن ما أوردته ليس سوى معلومات خاطئة. ولكن لنفترض أنه صحيح، لماذا لا تفكّر، في أنّ هذه الدول التي تقول: إنها تدعم «الأخبار»، إنما تفعل ذلك بسبب أننا نعارض الحكم في السعودية، ملكاً وعائلة وسياسات؟

اليوم، بعد مرور ما مرّ من وقت، سيكون من السذاجة مناقشة أي مسؤول سعودي في ما تقوم به قيادته حيال القضايا العامة في المنطقة والعالم. وسيكون من الصعوبة بمكان، إقناع أيّ مسؤول سعودي بأن ما يقوم به الحاكم بأمره في الرياض ليس إلا ضرباً من ضروب الجنون التي تُعجّل في سقوطه، ويخشى أن تسقط معه البلاد أيضاً. لكن الأكثر تعقيداً ـــ بل ما يلامس حد الاستحالة ـــ أن تُقنِع مسؤولاً سعودياً بأن يناقش الأوضاع خلال العقد الأخير، وأن يُجري مقاصّة من دون إنكار أو غشّ. وكل ما سوف تسمعه، هو ما يمكن لك أن تقرأه في النشرات الصادرة عن السعودية مباشرة أو عبر تمويلها الكامل أو الجزئي لها. فالحقيقة عند هؤلاء واحدة ومطلقة، وموجزها: ما نقوله نحن، هو الحقيقة بعينها!

وإلى جانب السردية السعودية المُمِلّة عن الخير والبركات والدور والخصوم، كانت قيادة النظام هناك تعمل على إخفاء ليس فقط مؤامراتها ضد خصومها المنتشرين في كل العالم، بل تحاول ستر عورتها حيث المشكلة في المعلومات الخاطئة، وفي التقدير الخاطئ وفي الحسابات الخاطئة، علماً أن الجانب الآخر من الفضيحة يتصل باللامهنية التي يتّسم بها عمل المؤسسات السعودية، وحيث تجد أنه لا وجود لا لمؤسسات ولا من يحزنون. هناك حاكم وعنده كاتب واحد بأقلام كثيرة.

في عام 2015، نشرت «الأخبار» بالتعاون مع منظمة ويكيليكس مجموعة كبيرة من البرقيات السرية لوزارة الخارجية السعودية. ولم تقل الوثائق جديداً حول ما يقوم به النظام ضد خصومه، بل قالت الكثير عن الرداءة في العمل سياسياً ودبلوماسياً وأمنياً من قبل سفارات ومبعوثي هذا النظام الوحشي. وكشفت عن قلّة احتراف في أصول العمل الدبلوماسي، رغم كل قصائد الشعر التي كانت تُقال مدحاً في الوزير الراحل سعود الفيصل. مع العلم أن سفراء الرياض في الخارج ممنوعٌ عليهم كتابةُ أيّ تقرير يخصّ زيارات أو لقاءات أفراد العائلة المالكة، فهو أمر خاصّ لا تنطبق عليه أصول العمل في الدول، وهو ما حجب الجانب الآخر من الفضيحة.

وعندما استولى محمد بن سلمان على الحكم، اهتمّ فقط بتنظيف مكاتب نظامه من غير الموالين له. لكنه فتح الباب واسعاً أمام نشاط يهدف إلى تعزيز حضور بلاده في العالم. وطبعاً، لا يُضيّع ابن سلمان الوقت، وهو يركّز على القطب الأقوى في العالم، أي الولايات المتحدة، حيث يقتنع آل سعود بأن ساكن البيت الأبيض هو ممثل الله على الأرض، وبيده الحلّ والربط.

منذ عام، عدنا لنشر برقيات ووثائق صادرة عن مؤسسات رسمية سعودية إلى جانب ملفات تخصّ الأردن والإمارات العربية المتحدة. وفي كل مرة، نجد أنفسنا أمام إبداع سعودي جديد وأمام أفكار عجيبة وغريبة لا تمتّ إلى علم أو حسابات، بقدر ما تعكس عقليّة الحاكم الذي يعتقد بأن ماله سوف يتيح له الاستمرار لا في الحكم فقط، بل التخلّص من كل خصومه سواء أكانوا أفراداً أم قوى أم حتى حكومات وأنظمة. وجديد ابن سلمان، هو الاستسلام إلى شركات استشارية من مختلف أنحاء العالم، تضع له التصوّرات وتتخيّل عنه في كيفية هزم الخصوم.

اليوم تبدأ «الأخبار» بنشر قسم من ورقة طويلة أعدّها مساعدو ولي العهد بالتعاون مع شركات متخصّصة في السياسات الدولية والعلاقات العامة، وأنفق من أجلها الملايين من الدولارات بغية تقديم خطة عمل تُعرَض على البيت الأبيض، وعلى الرئيس الحالي دونالد ترامب لأجل محاربة كل خصوم النظام السعودي.

فضيحة هذه الأوراق ليست في الخيال الفقير عند معدّيها، بل في زهو حاكم المملكة بنفسه وقدرته على تحقيق الكثير خلال وقت قصير. وفيها الكارثة الكبرى المتّصلة في أنه يعتقد أن شطب نظام أو قوة أو شعب، يمكن أن يحصل بجملة ومقطع فيديو وكيس من الدنانير!

 

الأمير الأرعن الذي يقامر بدمائنا

لبنان قيمة استثنائية لهمس السفراء والقناصل. تكفي دردشة مع موظف في سفارة لقلب مزاج زعيم فيأخذ أنصاره نحو مغامرة غير محسوبة. بات الناس مقتنعين بأن هؤلاء يحرّكون كلّ شيء. وكما لاحظ المفكّر جورج قرم: «ليست مصادفة أن يكون أهمّ مصدر معرفي في تاريخ لبنان الحديث، هو تقارير القناصل في بيروت إلى دولهم». إن «ثقافة القناصل» تلك تتحكّم بالحياة السياسية الوطنيّة، أكثر من أي وقت مضى، كما كشفت بالأمس غير البعيد وثائق «ويكيليكس». مسؤولون وصحافيون ومحلّلون جلسوا «يتشاورون» مع سفير «الإمبراطورية» في الاستراتيجيات الدولية!

منذ سنوات انتزعنا في «الأخبار»، حقّ التشهير بالمتآمرين وأصحاب الدسائس، بعد نشرنا العديد من الوثائق السرية السعودية، بعضها بالتعاون مع مؤسسة «ويكيليكس»، وأخرى من مصادرنا الخاصة. لكنّنا اليوم أمام نوع آخر من السموم، أمام مخطّطات شيطانيّة على درجة من الخطورة، يحرّك خيوطها الأمير الجاثم على مقدّرات الجزيرة العربية. وقد حصلت «الأخبار» أخيراً على واحدة من تلك الوثائق السريّة التي تسلّط الضوء على غطرسة الرجل، ونواياه العدائيّة التدميرية، وهي تصنّف حكماً في خانة «جنون العظمة».

ما سنكشف عنه في هذه الحلقات، هو عصارة «الفكر الاستراتيجي» السلماني، كما يتجلّى في وثيقة بعنوان: «مواجهة السیاسات العدائیة للنظام الإیراني في المنطقة». إنّها خطّة عمل سعودية مرفوعة إلى إدارة دونالد ترامب، في عام 2017، تستهدف شنّ حرب غير مباشرة، على إيران ولبنان واليمن، من خلال حملات عدائيّة ومؤامرات ودسائس، لزعزعة استقرار هذه الدول، وخنق اقتصاداتها، وخديعة شعوبها، وشراء نخبها، والتآمر على حكوماتها.

محمد بن سلمان المستعدّ لإحراق المنطقة إرضاءً لدونالد ترامب وهوسه المرضيّ، تبيّن أن بعض مستشاريه ودبلوماسييه استمعوا حقاً لـ «زوارهم». «أيام الاستعمار الجميل» كان القنصل الفرنسي يتقرّب من مختار محلّة من أجل هدف صغير أو سطحي، فيما اليوم «الدبلوماسية» السعودية قائمة على تسلّم عروض من مستشارين معدومي المعرفة والكفاءة ويعملون مع شركات العلاقات العامة. اليوم، وبعد مرور أكثر من عامين على مقترح «مواجهة السیاسات العدائیة للنظام الإیراني في المنطقة»، تظهر رعونة الفكرة، على خطورتها، وفشل تنفيذها. الأمير الطائش يظن أن بوسعه أن يتعامل مع إيران، كأنّها جريمة تقطيع صحافي يختلف معه داخل قنصلية بلاده، أو حتى خطف رئيس وزراء حليف وإجباره على الاستقالة والتحضير لفوضى في بلد هذا الحليف العزيز.

ابن سلمان قال في أيار 2017 إنه سينقل المعركة إلى الداخل الإيراني. هي الفترة ذاتها التي أنهى فيها فريقه «خطة قلب النظام» وطار بها إلى واشنطن، لتُقدّم كخطّة استراتيجيّة ستغيّر مجرى التاريخ في المنطقة. الخطة تقترح «فريق عمل» موازياً لفريقها ليقوما معاً بـ «مواجهة سياسات النظام الإيراني».

يقدّم ولي العهد السعودي نفسه، كما تُظهر الوثيقة، بصفته الدماغ الذي يحضّر «الأرضية الثورية» كي يحتفل جون بولتون بالانتصار في طهران، حاجزاً لنفسه مكاناً إلى طاولة صانعي «النظام الجديد». في الحقيقة، سيدخل التاريخ بصفته رمزاً لأكثر نظام تعرّض للتقريع والإهانة في التاريخ المعاصر. من سمع ترامب يقول: «السعودية لا تملك سوى المال لذلك يستطيعون أن يدفعوا لنا من أجل الدفاع عنهم»، كيف يصدّق أن هذا النظام يريد تغيير وجه المنطقة؟ كيف لهذا الأمير الأرعن، كما يكشف الجزء من الوثيقة المتعلق بـ «مواجهة حزب الله في لبنان»، أن يقوم بتقييد وإضعاف الحزب؟ لا شك أن في واشنطن من ابتسم بلؤم وهو يقرأ هذه الصفحات…

في مقرّ السفارة الأميركية في بيروت، توجد ملفات مكدّسة عن العمل في مناطق حزب الله وعن دعم شخصيات وفئات مناهضة له. صرّح الأميركيون أنّهم أنفقوا خلال سنوات قليلة نحو نصف مليار دولار لهذا الغرض، ولتمويل جمعيات تعمل في «بيئته»… هناك عشرات الكتب والأبحاث والتقارير الصادرة في السنوات الأخيرة المُفصِّلة عن الحرب الاستخبارية والاقتصادية الأميركية على حزب الله. وها هي عبقرية ابن سلمان ومستشاريه تتفتق عن خطة لمراقبة الحدود البحرية والبرية للبنان، وكف يديّ الحزب عن «المرافئ الدولية»، وإطلاق فرق كشافة تمهّد لتشكيل «ميليشيا معتدلة ووطنية» تُجابه حزب الله.

إذا وضعنا جانباً خطة «قلب النظام» في طهران (!) فإن السعودية تُعدّ في لبنان جزءاً من «التركيبة»، ولديها حضورها وعلاقاتها وأدواتها وأموالها… فما الذي حققته من أهدافها الاستراتيجيّة؟ لم تمرّ شهور على طرح خطة مواجهة حزب الله حتى كان الأمير الشاب يلعب «سولو». خَطَف الرئيس سعد الحريري معلناً عن «انقلاب سياسي» في بيروت من شاشة قناته «العربية»، وتوّجت خبطته العبقريّة بـ «النجاح» الذي نعرف…

أمره عجيب هذا الأمير. لن يستسلم محمد بن سلمان وإن حوصر في قصر اليمامة. فَشِل في لبنان، أُهين في سوريا، هُزم في اليمن، هُمّش في العراق. وما زال يتعامل مع شعوبنا كأنه أمام لعبة فيديو ويمتلك عدداً غير محدود من المحاولات. لنتصوّر لحظة أن ولي العهد الحالي سيعيش حتى يبلغ عمر والده... أي أن العالم سيكون عليه احتمال ابن سلمان حتى عام 2070!

خطة «مواجهة إيران»: يوم حلم العبد بأن يشارك سيّده في حكم العالم

ليس سرّاً أن ما يجمع السعودية ودونالد ترامب هو صفقة كبرى تترجم أجندات سياسية وعشرات مليارات الدولارات. إلا أن وثائق سرية مقرصنة حصلت عليها «الأخبار» تساعد على رسم طبيعة العلاقة وأسرارها وفهم مدى توازنها ونجاحها. إنه مشروع حكّام المملكة الجدد للارتباط بواشنطن لقرن آخر من الزمن مبني على برنامج شراكة تفصيلي يحمل عنوان «إطار الشراكة الاستراتيجية للقرن الحادي والعشرين»، أبرز بنوده إسقاط إيران. ببساطة، تجيب الوثائق عن سؤال: ما هي هذه الصفقة؟

مذ تسلم آل سلمان العرش مطلع عام 2015، تخوض المملكة العربية السعودية تحولات كبرى في غير قطاع؛ في الثقافة والاقتصاد والسياسة الخارجية والدين والمجتمع والعسكر. الثابت وسط كل متغير، أمر واحد: الولايات المتحدة الأميركية، مفتاح فهم ما جرى ويجري في الجزيرة العربية.

«الأخبار» تنشر على حلقات، دفعة جديدة من «السعودية ليكس». وثيقة ممهورة بعبارة «سرّي للغاية وغير قابل للتداول»، تعود إلى عام 2017، قبيل سفر ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن، وعقب الزيارة السعوديّة الشهيرة لدونالد ترامب الواصل حديثاً إلى البيت الأبيض. ينظر السعوديون الى ترامب بوصفه «الفرصة» لترميم ما أفسدته ولايتا باراك أوباما، إضافة إلى أسباب موضوعية أخرى كتراجع مركزية النفط في العلاقات.

تشكّل فصول الخطّة المقرصنة رسماً لهندسة السياسة السعودية الراهنة والمقبلة، الداخلية والخارجية… ورحلة في عقل حكّام المملكة، وإحاطة بالمنظار الذي يتطلّع من قصور جدة والرياض إلى واشنطن والعلاقات معها. لكن أهميتها تنبع من كونها تفصّل برنامج عمل تطبيقياً تحت مسمى «ملخص تنفيذي».

ويمكن أن نتلمّس ترجمته على الأرض في جردة السنوات الثلاث الماضية، وتشريح الراهن من عقد الأزمات الإقليمية.

تحت عنوان «إطار الشراكة الاستراتيجية للقرن الحادي والعشرين بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية»، يقدّم الملك سلمان بن عبد العزيز رؤية في سبيل «تعميق التعاون الاستراتيجي المشترك، والتوسع به إلى أفق جديد». وذلك على المستويات: السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية والثقافية، لتثبيت المملكة كـ«شريك موثوق» لدى الأميركيين، وبما يؤدي إلى «تحقيق البرنامج الانتخابي للرئيس ترامب». يرسم فريق الحكم في الرياض «خريطة طريق» لتحقيق ستة أهداف استراتيجية من شأنها إعادة صياغة العلاقات مع واشنطن لقرن من الزمن.

الأهداف الستة هي:
1- محاربة الإرهاب والفكر المتطرف.
2- مواجهة السياسات العدائية للنظام الإيراني في المنطقة.
3- تحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
4- العمل معاً لإيجاد حلول لقضايا الشرق الأوسط.
5- أخذ التعاون العسكري والدفاعي إلى مستوى استراتيجي.
6- تقوية التعاون المميز بين الدولتين في مجالات الاقتصاد والاستثمار والطاقة.
ما تنشره «الأخبار» في هذا الفصل من «السعودية ليكس» هو ما ينصبّ على تنفيذ الهدف الثاني بين الأهداف الستة، أي «مواجهة السياسات العدائية للنظام الإيراني». سنرى أن الطموح السعودي، الذي يظهر على شكل وعود للبيت الأبيض، يصل إلى حد إسقاط النظام الإيراني وفق جدول زمني يمتد لـ 3 سنوات فقط، بموازاة مواجهة واسعة في لبنان، بهدف إضعاف حزب الله، على 4 محاور: سياسي، اقتصادي، إعلامي وعسكري.
لا يكتفي أصحاب القرار في المملكة بشعار «نقل المعركة إلى الداخل» الذي رفعه ولي العهد محمد بن سلمان. سنتعرّف في الوثائق الى «فريق عمل إيران» المشترك بين الرياض وواشنطن، وهدفه الإشراف على ضرب نظام طهران لتحقيق «توجيه عدم الاستقرار إلى داخل الحدود الإيرانية» في «الحد الأدنى»، كما يرد، وإيصال نظام بديل إلى الحكم في طهران «يخدم مصالح المملكة والولايات المتحدة» في «الحد الأقصى». لأجل ذلك، اقترحت الرياض مجموعتين من المبادرات، تبدأ أولاهما بـ«مواجهة عملاء إيران»؛

1- في اليمن: «إنهاء التمرّد الحوثي».

2- في لبنان: «مواجهة حزب الله» (تكشف الوثيقة آليات هذه المواجهة).

أما المجموعة الثانية من المبادرات، فتضم برامج عمل (بينها «مشروع نمرود» و«ملف العنكبوت») وترمي إلى: ضرب برنامح إيران النووي، عزل إيران، والتأثير عليها إعلامياً واقتصادياً وأمنياً.

تقول الوثائق إن الآليات المطروحة على الأميركيين تمثّل انطلاقة لسلسلة اجتماعات من قبل «نقاط اتصال» وفرق عمل مختارين، من لحظة لقاء ابن سلمان ــــ ترامب حين سيتم تأكيد «الشراكة الكاملة التي ثبتتها الزيارة التاريخية للرئيس ترامب للمملكة»، مبتدأ الرهان الكبير والحالم.

سيساعد الرجوع إلى فصول هذه الوثيقة على فهم أكبر لما يلي:

◄ تغيّر السياسة السعودية تجاه لبنان وأسباب الحاجة إلى توتير الساحة اللبنانية في بعض المحطات.
◄ ذهاب الرياض بعيداً في عداء إيران، وصولاً إلى العمل لإسقاط النظام هناك، كرابط إضافي يمتّن العلاقة بواشنطن، مثله مثل مسعى «تحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين»، وهنا استبدال لمركز الأزمات الإقليمية عبر نقله من الأراضي المحتلة إلى طهران.
◄ مركزية الارتباط بواشنطن لدى السعودية، أهميته، وحجم الرهان الكبير عليه.
◄ أزمة العلاقات السعودية الأميركية، ضعفها واهتزازها أحياناً. لجهة كونها بحاجة الى إعادة صياغة وتمتين كما يتضح. وأزمة عدم مبادلة الأميركيين عروض السعودية بأثمان مرْضية حتى الآن.
◄ أسباب وخلفيات التغيير الحاصل في المملكة، اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، تحت مسمى «رؤية 2030».
◄ عمق التورّط في حرب اليمن ومراوحة الحملة العسكرية في دائرة الفشل والحاجة الماسة إلى انتصار هناك.
◄ خلفيات الكثير من سياسات الرياض الإقليمية والتي تسمح بتتبع مصير الرهانات السعودية ومحاكمتها اليوم على أساس نجاح مجهري أحياناً، والفشل في أحايين كثيرة.
◄ أما الأبرز، فهو استغلال «فرصة» دونالد ترامب، لتحقيق كل الأهداف، وإزالة كل أثر للسياسات التي قامت مع باراك أوباما، كونه بالنسبة إلى السعودية رمز الاتفاق النووي ودعم «ربيع الإخوان المسلمين» في العالم العربي.
تساعد الوثائق، أيضاً، على فهم طبيعة الدور السعودي في الحملة الأميركية ضد إيران، وتالياً حجم الخيبة من الرهان على الولايات المتحدة في حال لم تبادل واشنطن الرياض بعوائد لهذا «الاستثمار» في العلاقات، والمسيّل على شكل صفقات بليونية. فالوثائق تؤكد أيضاً، ما ليس سراً، أن «أوراق الاعتماد» المقدّمة للأميركيين جميعها هدفها الفوز بعلاقات راسخة، تشبه علاقة إسرائيل بالولايات المتحدة، وتؤمّن العرش السعودي ومركزية زعامة الرياض إقليمياً كشريك/ وكيل أول لواشنطن.

منارة العالم الإسلامي المعتدل

في الجزء الذي يقدّم خلفية لإطار «الشراكة»، سيظهر أن الرياض تبذل جهداً كبيراً لـ«إقناع» البيت الأبيض بأهميتها وانطباق مواصفات «الشريك الموثوق» عليها: «استثمار القوة السياسية في تحقيق السلام الدائم. الرياض المشتري الأكبر من شركات التسليح الأميركية. القدرة على دعم البرنامج الاقتصادي للإدارة الجديدة من خلال تعزيز استثمارات الصندوق السيادي. برنامج استثماري يصل إلى 50 مليار دولار خلال 10 سنوات. خلق أكثر من مليون فرصة عمل في الولايات المتحدة. تحالف إسلامي عسكري من 40 دولة. السعوديّة تكون منارة العالم الإسلامي المعتدل وتمتلك الأدوات اللازمة لتغيير الفكر في المنطقة...».
وهذه قد تكون مناسبة لإعادة طرح السؤال الأصعب اليوم على الرياض: لماذا لا يردّد ترامب، في المقابل، العبارات «الاستراتيجية» هذه عن «الشراكة» بدلاً من الاكتفاء بعبارة: «مليارات... وظائف»؟ جردة السنوات الثلاث الماضية تكشف بوضوح أن سيد البيت الأبيض وافق على أغلب العرض السعودي الذي طار به ابن سلمان إلى واشنطن منتصف آذار 2017. وبالتالي يقفز أمامنا هنا سؤال ثانٍ: هل وافق ترامب على قبض الثمن بلا تسليم كامل البضاعة؟

محطات العلاقات الأميركية ــ السعودية

أبرز المفاصل التاريخية في علاقات الرياض وواشنطن ومصالحهما المشتركة، منذ اعتراف الولايات المتحدة بمملكة الحجاز ونجد وملحقاتها، إلى اليوم.

1931

اعتراف الولايات المتحدة بمملكة الحجاز ونجد وملحقاتها

سيكون اسمها في السنة التالية المملكة العربية السعودية

عبد الإنكليز... عن نشأة مملكة ابن سعود

طأطأ سلطان نجد عبد العزيز آل سعود رأسه أمام المندوب البريطاني السامي في العراق بيرسي كوكس، وتهدّج صوته، ثم أخذ يتوسّل بمذلّة، قائلاً: «جنابك انتَ أبوي وانتَ أمي. وأنا مستحيل أن أنسى فضلك عليّ. انتو اللي سوّيتوني وأخذتوا بإيدي، وانتو اللي رفعتوني وشلتوني. وأنا مستعد، بإشارة منك، لأن أتنازل لك هالحين عن نص مملكتي... لا والله، أنا أتنازل عن مملكتي كلها، إذا جنابك تأمرني!».

1933

بداية العلاقات الدبلوماسية عبر توقيع تفاهمات أولية

1933

انطلاق الاتفاقات النفطية

توقيع الحكومة السعودية اتفاقية الامتياز للتنقيب عن البترول مع شركة «ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا» («سوكال» / «شيفرون» حالياً) وتأسيس «كاليفورينيا العربية» (كاسوك)

1944

تغيير اسم «كاسوك» إلى «العربية الأميركية للزيت» - أرامكو

1944

فتح قنصلية أميركية في الظهران ومكتب دبلوماسي سعودي في واشنطن

1945

اتفاق كوينسي

المفصل الأهم حين وضع لقاء الملك عبد العزيز مع الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، على متن «يو أس أس كوينسي» في مياه قناة السويس، قاعدة «النفط مقابل الحماية».

النفط مقابل الحماية

لم تتعاطَ الولايات المتحدة الأميركية مع قيام المملكة العربية السعودية التي تأسست في 23 أيلول (سبتمبر) 1932، بجديّة. وأهملت الدولة العظمى ذات السياسات الخارجية الانعزالية في ثلاثينيات القرن العشرين، حتى مجرّد الاعتراف بتلك الدولة الفقيرة النائية المتخلفة، طوال خمس سنوات من نشأتها، أي إلى حدود 23 كانون الثاني (يناير) 1937. لكنّ الحال بدأ في التغير حين اكتُشفت كميات مبشّرة من النفط في آذار 1938، بعد أبحاث التنقيب الناجحة في الدمام التي قامت بها الشركة الأميركية (CASOC) صاحبة الامتياز الحصري لحقوق التنقيب واستغلال البترول السعودي، نظير خمسين ألف جنيه ذهبي شهرياً.

وكان ذلك العقد «خرافياً» بالنسبة إلى الملك عبد العزيز. ولعله من يومذاك وقع عبد العزيز في غرام الأميركيين الأسخياء!
وحين دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية، كانت تمثّل خزان بترول المجهود الحربي لحلفائها. فقد كانت تنتج 63% من الاستهلاك العالمي يومياً. وبيّنت حسابات الخبراء الأميركيين أن الاحتياطي الوطني للبترول كان ينخفض بمعدل 3% في السنة. وكان هذا النزف الحادّ يثير الذعر في نفوس مسؤولي واشنطن. ولمواجهة هذه المعضلة، جاء هارولد ايكس، منسّق شؤون البترول في مجلس الدفاع، بحل تمثّل في استهلاك البترول الأجنبي بدلاً من الأميركي. وهكذا قالت مذكرة أميركية في 1942: «إنّ تنمية موارد السعودية البترولية تندرج ضمن المصالح الوطنية العامة لأميركا». ولمزيد من توثيق الصلة الأميركية بالسعودية، فقد أعد الرئيس فرانكلين روزفلت خطة سرية للاجتماع بالملك السعودي شخصياً. وعهد روزفلت إلى الكولونيل وليام إدي، الوزير الأميركي المفوض في جدة، إجراء الترتيبات السرية لهذا اللقاء مع عبد العزيز.

المدمّرة والخرفان وحاشية جلالة الملك
في 12 شباط (فبراير) 1945، دخلت أول سفينة حربية أميركية (المدمّرة ميرفي) إلى ميناء جدة الصغير، وبالكاد استطاع ربّانها الدخول إليه. وكان الملك السعودي، بانتظارها لتحمله للقاء بالرئيس الأميركي في البحيرات المرة في قناة السويس. وبما أنّ منطقة السويس لم تزل حتى ذلك الوقت في مدى قاذفات القنابل الألمانية، فقد أسرّ السفير إدي (الذي يحسن العربية) إلى الملك عبد العزيز، أن يحيط زيارته المقبلة للدواعي الأمنية، بالسرية التامة. وكان الملك السعودي مستعداً لتنفيذ الأوامر الأميركية على نحو متزمت. فلم يعلم حاشيته بشيء عن هذه الرحلة المهمّة حتى اللحظة المقررة للانطلاق.
وعندما أصبح الجميع في سياراتهم أمر عبد العزيز السائقين بالتوجه إلى الميناء. ثمّ استقل الملك ووفده قوارب كانت في انتظارهم إلى المدمرة «ميرفي» التي غادرت الميناء في الساعة الرابعة والنصف من بعد الظهر. وراجت شائعات مسعورة في بلدة جدّة مفادها أن سفينة الكفار الأميركيين قد اختطفت الملك! وكانت نساء آل سعود آخر من يعلمن بالحقيقة عندما ذهبن باكيات، وقد توشحن بالسواد، وسكبن الرماد على رؤوسهن إلى الأمير فيصل نائب الملك على الحجاز، الذي طمأنهنّ.
أحضر عبد الله بن سليمان وزير مالية الملك عبد العزيز معه مئة خروف إلى المدمرة كما طلب منه جلالته. وكان الأخير قد افترض أنّ البحارة سيكونون ضيوفاً عليه أثناء الرحلة التي ستستغرق يومين. وفاجأ مرأى قطيع الأغنام المحمّلة في القوارب المقبلة إلى المدمرة، قائدها الذي رفض السماح للملك بتحميلها على السفينة، وحاول أن يشرح له أنّ قوانين البحرية الأميركية تمنع منعاً باتاً نقل الحيوانات الحية على السفن الحربية. لكنّ عبد العزيز أبى أن يقتنع، وهنا تدخل السفير إدي، لكي يترجم لجلالته بأنّ جميع طاقم المدمرة سيعاقبون لو أنهم أكلوا خرافه، ولم يراعوا قوانين التغذية الرسمية. وسأله عبد العزيز حينئذ: «وش نتعشى الحين؟!». وطمأنه إدي بأنّ «الأكل متوافر - طال عمرك -، وأنّ لحوم الضأن محفوظة هنا في ثلاجات». وهنا ارتاع عبد العزيز وصاح: «وش تقول؟! تبي مني آكل الفطيسة! ما تدري إنّ الفطيسة حرام؟!». وأخيراً جرى التوصل إلى حل وسط؛ إذ سُمِح للملك - على مضض - بأن يأخذ معه سبعة من خرافه. وما إن أبحرت السفينة حتى قام الخدم بذبح أحدها، وراحوا يسلخونه على ظهر المدمرة!
كان عدد أفراد الحاشية السعودية مشكلة أخرى للسفير إدي؛ فقد حدّدت له تعليمات وزارة الخارجية عدد اثني عشر رجلاً يرافقون عبد العزيز، في حدّ أقصى. وقال إدي لرؤسائه إنه يجب عليهم أن يتوقعوا ضِعف هذا العدد، لكن عدد أفراد مرافقي عبد العزيز بلغ واحداً وأربعين شخصاً في نهاية المطاف! وكان من بين أسباب تقييد الخارجية الأميركية لعدد مرافقي الملك، أنه لم تكن هناك حجرات كافية لمعظمهم، لكن هذه لم تكن مشكلة للسعوديين؛ إذ سرعان ما افترش عشرات الطباخين والحراس والخدم بسُطاً على ظهر المدمرة ثمّ أشعلوا الحطب لعمل القهوة بالقرب من المدافع والذخيرة الحية، وناموا جميعاً على ظهر المدمرة، حيث انضم إليهم عبد العزيز نفسه الذي رفض النوم في حجرة قائد السفينة. وقال الملك للسفير وقد انقبض: «تبيني أرقد فيذا؟! فـ ها الصفّة (الحجرة) الحديد؟! عاد الرقدة تحت خيمة أفضل لي!».
يروي توماس هليارد، الذي كان بحاراً في السفينة «ميرفي»، كيف أنّ البحّارة اضطروا إلى أن يخيطوا لضيفهم خيمة. فمصمّمو المدمّرة الحربية لم يدر في خلدهم أنها ستحتاج إلى خيام. وطلب البحّارة من السعوديين قطع قماش كبيرة، ثم نصبوا لعبد العزيز خيمته على سطح مقدمة السفينة!
وكان للملك السعودي رغبات أخرى، فقد طلب من قبطان المدمرة أن يحدد له مواعيد الصلاة واتجاه القبلة. فأمر القائد مهندسي الملاحة بإعداد بيانات يومية عن ذلك. لكن جلالته كان مرتاباً في دقة معلومات الجماعة الأميركيين، فطلب من منجّمه الخاص ماجد بن خثيلة أن يتأكد من صحة المواقيت واتجاه القبلة، ثم بعد أن يتأكد الملك من تطابق معطيات المهندسين مع رأي المنجّم، كان يأمر مؤذنه بالصعود لأعلى سارية في المدمرة ليؤذن للصلاة، تحت رفرفة العلم الأميركي الخفّاق.
في المساء، أعدّ الأميركيون مفاجأة للسعوديين؛ فقد أحضروا جهاز عرض للأفلام إلى ظهر المدمّرة لغاية الترفيه عن الملك وحاشيته. وكانت تلك أول مرّة يشاهد فيها السعوديون صوراً تتحرّك. فتحلقوا مشدوهين أمام الشاشة العملاقة. وكان بعضهم يدور حول الشاشة كأنه يبحث عن أحد! في البداية، كان عبد العزيز متوجساً من «ها السالفة» ثمّ في نهاية المطاف - وتحت إلحاح ولديه محمد ومنصور - غلبه فضوله. ولكنه اعترض على مشاهدة أي فيلم يظهر فيه الحريم. فاضطرّ الأميركيون إلى أن يعرضوا لضيوفهم فيلماً وثائقياً عن حاملة طائرات أميركية في المحيط الهادئ. وأبدى الملك تحفظه بعد مشاهدته للفيلم الوثائقي. فقال: «زين... بس هالسالفة (يقصد السينما) مهيب لربعنا (لا تصلح لجماعتنا)... يجوز هالسالفة تلهي العيال عن الصلاة!».
وكان الأمير محمد (الابن الثالث للملك بين أبنائه الذكور الأحياء آنذاك) قد حزّ في نفسه أن تضيع منه فرصة مشاهدة فيلم «بحق وحقيق». فسأل السفير إدي كيف له أن يرى ما لم يُر؟ وأجابه إدي باسماً بأنه ستعرض أفلام أخرى في وقت لاحق أمام البحارة في قسمهم الخاص، ويمكن أن يحقق له رغبته بحضور ذلك العرض. وهكذا انسلّ الأمير محمد مع أخيه الأصغر منصور إلى صالة البحارة، وجلسا في الصف الأمامي ليشاهدا فيلماً غرامياً. وبعد أن انتهى عرض الفيلم نُظِّم عرض ثانٍ شاهده نصف الحاشية السعودية، باستثناء الملك الذي كان يغطّ في نوم عميق تحت خيمته.

الباب المفتوح وفلسطين وكرسي المعوقين
صباح يوم 14 شباط (فبراير) 1945، وصلت السفينة «ميرفي» التي تقل السعوديين، إلى قناة السويس، لتلتصق بالسفينة «كوينسي» التي يوجد عليها الرئيس الأميركي.
كان آخر ما فعله عبد العزيز قبل أن يغادر «ميرفي» تسليمه على بحارتها. وكان يدسّ في يد كل من يصافحه، ورقة نقدية بخمسين دولاراً. وكان نصيب «مهندسي القبلة» ورقتين. وأمّا طاقم القيادة فنصيبه ساعات سويسرية مميّزة، وللقبطان سيف جميل طويل مرصّع بالعاج. ثمّ كان أوّل ما فعله عبد العزيز بعد أن صعد على متن السفينة «كوينسي» هو تقديم الهدايا أيضاً. وكانت هدية الرئيس روزفلت عباءة عربية رائعة مطرزة بخيوط الذهب، وسيفاً مرصّعاً بالألماس وخنجراً مذهّباً مصقولاً وخواتم مرصعة بالجواهر الكريمة. وكان على الرئيس روزفلت أن يردّ من جانبه على كرم ضيفه العربي بهديّة أميركية قيّمة. فكان أن وهبه طائرة DC3 ذات محركين، كانت رابضة ضمن أُخر أمامهما على المدمرة.
بعد تبادل الهدايا وشرب القهوة العربية التي جاء بها مرافقو ابن سعود إلى مجلسه مع مضيفه، دخل الرئيس الأميركي إلى الأمور الجديّة. وكانت مسألة إيجاد حل سلمي لقضية فلسطين هي شغل روزفلت الشاغل، وخاصة بعد الضغط القوي من اللوبي الصهيوني الذي جعل من مسألة الوطن القومي اليهودي في فلسطين قضية سياسية كبرى في واشنطن.
وبحسب محضر اللقاء الذي دوّنه السفير إدي، وكان هو أيضاً المترجم بين الزعيمين، فقد قال روزفلت لعبد العزيز: «إنني أريد أن أتشاور مع جلالتك، في قضية اللاجئين اليهود الذين طردوا من ديارهم في أوروبا لأنني أشعر بمسؤولية شخصية نحو هؤلاء البؤساء. وإنني التزمت فعلاً البحث عن حل لمشاكلهم».
وردّ عبد العزيز بصراحة: «إنّ حلّ هذه المشكلة يكون بعودة اليهود المطرودين إلى بلادهم الأصلية. أمّا الذين لا يستطيعون العودة فيمكنكم توطينهم في دول المحور التي اضطهدتهم».
ولم يكن هذا ما كان يريد أن يسمعه روزفلت من ضيفه، فعقّب شارحاً: «سأطلع جلالتك على أمر خطير: يبدو أنّ الألمان قد قتلوا ثلاثة ملايين يهودي في بولندا وحدها! يجب أن نجد حلاً لهؤلاء المضطهدين الذين باتوا يخشون البقاء في دول المحور خوفاً من تكرار ما حدث لهم. كذلك توجد لديهم رغبة عاطفية في استيطان فلسطين».
وردّ عبد العزيز ردّاً قاطعاً: «إنّ اليهود والعرب لن يتعاونوا أبداً في فلسطين. والعرب هم الذين يتعرّضون الآن للتهديد عبر تدفق الهجرة اليهودية إلى أرضهم والاستيلاء عليها... إنني آمل من فخامتكم التزام كلمة الشرف حين وعدت بتطبيق العدل بعد الحرب. وأن لا تكافئ شعباً على حساب شعب آخر».
وكان على روزفلت أن يطمئن ضيفه العربي قائلاً: «إنني كرئيس للولايات المتحدة، لن أتخذ أي تحرك معاد للعرب قبل الإصغاء إلى رأيكم».
كان الموقف الحازم للملك عبد العزيز من قضية فلسطين في أول محادثات سرية له مع الرئيس الأميركي، موقفاً مشرّفاً بحق يُحسبُ له. ولقد أثار هذا الموقف الصلب إعجاب الرئيس روزفلت نفسه الذي أسرّ إلى مساعديه بعدما انتهى اللقاء مع العاهل السعودي قائلاً: «لقد قرأتُ في التقارير التي وردت إليّ، قبل اجتماعي به، أنه ذو تاريخ متوحش... نعم، قد يكون متوحشاً ولكنه أيضاً نبيل!».


■ ■ ■


ولعلّ مردّ حزم عبد العزيز في موضوع فلسطين، سببان:
الأول: شعور الملك بالذنب تجاه الفلسطينيين حين شارك في إجهاض ثورتهم عام 1936، وطالبهم بإيقاف هجماتهم على القوات البريطانية، مقابل وعد بريطاني (جرى الحنث به) بالحدّ من هجرة اليهود إلى فلسطين.
والثاني: عداء ابن سعود الديني لليهود، لأنهم «شعب ملعون حسب القرآن». وهو قد صرّح برأيه هذا (في اليهود كشعب) لكثيرين، ومنهم بعض الأجانب كالسفير الهولندي في مملكته.
زد على ذلك اعتقاده الراسخ بأن اليهود لن يكتفوا فقط بابتلاع فلسطين، وأنهم يريدون إقامة مشروع «إسرائيل الكبرى» وحدودها من النيل إلى الفرات إلى المدينة، ما يعني أنّ «إسرائيل هذه» ستشمل أجزاءً واسعة من ملكه الحجازي!

■ ■ ■

دامت مباحثات روزفلت مع عبد العزيز خمس ساعات، تنوعت فيها المواضيع المطروحة. وكان هاجس الملك السعودي: هل يمضي في رغبته الخاصة باستبدال تحالفه التاريخي مع الإنكليز بتحالف جديد أوثق مع الأميريكيين... أم أنّ تلك مغامرة غير محسوبة العواقب؟
ولقد كشف الملك صراحة لمضيفه عمّا في ذهنه، فقال لروزفلت: «إنّ الإنكليز يقولون لي إنّ مستقبلي مرتبط بهم، لا مع أميركا... ويقولون إنّ مصالحكم في السعودية موقتة... وإن أميركا ستعود بعد الحرب إلى مشاغلها البعيدة. وأمّا الإنكليز فهم الذين سيستمرّون معي، كما كانوا منذ بدء حكمي. وهم يريدون أن تكون الأولوية دائماً لهم في السعودية... فماذا تقولون؟».
وفرّج روزفلت كربة عبد العزيز حين قال له: «إن خططنا لما بعد الحرب مغايرة للماضي. ولن تعود أميركا لسياستها الانعزالية أبداً، وسياستنا الخارجية القادمة هي الانفتاح على العالم. وأميركا تأمل أن يصبح باب السعودية مفتوحاً لها».
انقض عبد العزيز على «الباب المفتوح»، وطلب من الرئيس أن يترجم كلامه هذا إلى معاهدات واتفاقيات بين بلديهما. وكان له ما أراد. ولقد كان سرور عبد العزيز لقبول أميركا «الزواج به» بالغاً، فراح يكيل المديح لروزفلت، حتى إنه قال له: «إنني أشعر وكأنك شقيقي وتوأمي».
ابتسم روزفلت. فأوضح له عبد العزيز أكثر: «هل تعلم يا فخامة الرئيس، لقد أصبحتُ ملكاً للسعودية في نفس السنة التي صرتَ أنت فيها رئيساً لأميركا... وها إني اكتشفت أننا نتشابه في تفكيرنا، أيضاً»، ثمّ ابتسم ملك السعودية مضيفاً: «إننا نشترك حتى بالعجز الجسدي!».
قال روزفلت: «ولكنك أسعد حظاً، فأنت تستطيع المشي على قدميك، وأمّا أنا فلا».
فقال عبد العزيز: «إن لك هذا الكرسي المتحرك تمشي به حيث تريد، أمّا رجلاي أنا فلم تعودا تقويان على حملي».
وابتسم روزفلت قائلاً: «تقول إننا توأمان، وإننا نشترك بأمور كثيرة... حسناً، إنّ عندي مقعداً متحركاً هو توأم لكرسيي هذا. فهلّا قبلته هدية شخصية مني؟».
قال الملك: «نعم، وسوف أستخدمه يومياً وأتذكر مانحَ الهدية صديقي العظيم الطيب».
وكذلك ودّع ابن سعود صديقه العظيم الطيب، وهو مسرور بكرسي المعوقين الذي منحه له!
تشرشل والرولز رويس والويسكي
صُعق رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل عند سماعه بعزم روزفلت أن يلتقي عبد العزيز. فأمر دبلوماسييه بأن يرتبوا له هو أيضا لقاءً مع الملك السعودي. وتقرّر فعلاً هذا الاجتماع بعد ثلاثة أيام من لقاء المدمرة «كوينسي»، في فندق بالفيوم جنوب القاهرة.
كان تشرشل وفياً في ذلك اللقاء للسياسة الاستعلائية البريطانية في تعاملها الطويل مع شيوخ العرب. فقد نظر باستخفاف إلى عبد العزيز وهما على مائدة الطعام، وكانت الخمر قد لعبت برأسه. فقال لضيفه: «دين جلالتك يحرّم عليك التدخين وتعاطي المسكرات. ولكن يجب أن أشير إلى أن قانون حياتي يقضي بالتدخين وبشرب المسكرات أيضاً قبل وبعد وحتى أثناء جميع الوجبات وما بينها من فترات إذا اقتضى الأمر...». ثم راح تشرشل يحتسي الويسكي وينفخ دخان سيجاره معظم الوقت في وجه العاهل السعودي أثناء محادثاتهما التي دامت ثلاث ساعات. واستاء عبد العزيز من هذا التصرف، وخصوصاً عندما قارنه بأسلوب روزفلت الحصيف معه. فلقد حرص الرئيس الأميركي أن لا يثير حساسيات ابن سعود الدينية. ولم يكن للخمر وجود على مائدة الطعام.
إلا أن عبد العزيز أحسّ باستخفاف تشرشل الكبير به في مسألة أخرى. فهو قد أهداه ذات الهدايا التي قدّمها لروزفلت (العباءة المذهبة والسيف المرصع والخنجر وخواتم الجواهر)، فنال عن هديته من الرئيس الأميركي طائرة. ولكن تشرشل لم يجد في المقابل إلّا علبة عطر أخرجها له من حقيبته. ولقد كانت، أيضاً، مستعملة!
عندما علم تشرشل باستياء ابن سعود الحادّ منه ثمّ علم بهدية روزفلت بعث لعبد العزيز رسالة مجاملة يقول فيها: «إن علبة العطر ما هي إلا هدية رمزية وأنه ينوي إهداء الملك أول سيارة رولز رويس يتم إنتاجها بعد الحرب، وهي أحسن سيارة في العالم!».
وعثر البريطانيون على سيارة رولز رويس مستعملة، لكنها تكاد تكون جديدة، فأعادوا تجهيزها لتلائم عبد العزيز، وأخرجت خزانة المشروبات الروحية ووُضِع مكانها وعاء للوضوء، وتم تبديل زجاجات الكوكتيل بـ«ترموس» لحفظ ماء زمزم الذي يشربه الملك، ثم استُبدل بالمقعد الخلفي عرشٌ ضخم، ثمّ طلوا السيارة بطبقة جديدة من الدهان، وأوصلوها لعبد العزيز الذي أخذ يتفحص سيارته باهتمام. وظهرَ له فيها شيء مزعج! كان العرش في مؤخرة السيارة غير مناسب له تماماً، لأن الحريم فقط هن اللواتي يجلسن في المقاعد الخلفية. أمّا الرجال مثله، فلا يجلسون إلّا في المقعد الأمامي بجانب السائق. ثمّ إنّ البريطانيين أهملوا في تعديلاتهم شيئاً مهماً جداً: لقد نسوا نقل عجلة القيادة من اليمين إلى اليسار. ومعنى هذا أنه يتعيّن على الملك الجلوس على يسار سائقه. وهذا شؤم!
والتفت عبد العزيز لأخيه عبد الله الذي كان بجانبه يشاهد السيارة، وقال له: «خذها، هي لك».
وكان هذا إيذاناً نهائياً من ملك السعودية بطيّه لصفحة غرامه الإنكليزي القديم، واستبداله بقصّة غرام أميركي جديد!

1949

العلاقات الدبلوماسية تبدأ بشكل كامل وتحويل البعثة الأميركية في جدة إلى سفارة

1973

وقف إمدادات النفط

إعلان الدول العربية المصدرة للنفط، بينها السعودية بزعامة الملك فيصل، حظر تصدير النفط للولايات المتحدة ودول غربية لدعمها إسرائيل في حرب أكتوبر

1974

وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر يعلن عن مشروع لجعل الولايات المتحدة مستقلة في مجال الطاقة

1979

انتصار الثورة الإيرانية التي أقلقت كلاً من واشنطن والرياض

1980

دخول السعودية على خط الحرب في أفغانستان

تقديم الدعم، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، ضد التدخل السوفياتي، وهو ما نشأت على إثره الحركات «الجهادية»

1980

شراء أسهم «أرامكو»

استكملت الحكومة السعودية شراء كل أسهم شركة «أرامكو» الأميركية قبل أن تصبح رسمياً «أرامكو السعودية» شركة حكومية في 1988

1991

حرب الخليج أو «عاصفة الصحراء»

قادها تحالف أميركي شاركت فيه السعودية، ضد الاجتياح العراقي للكويت، وتمركزت منذ ذلك الوقت قوات أميركية في السعودية

2000

هجمات «11 أيلول»

نفذها عناصر «القاعدة»، غالبيتهم سعوديون، ما أثر على صورة المملكة

2003

خروج القوات الأميركية من السعودية وانتقالهم إلى قاعدة العديد في قطر

2015

«عاصفة الحزم»

إعلان السعودية من واشنطن تحالفاً للحرب على اليمن تحت مسمّى «عاصفة الحزم» بمشاركة لوجستية واستخبارية وتخطيطية أميركية أقرّتها إدارة باراك أوباما

2015

الاتفاق النووي

توقيع الاتفاق النووي الإيراني في ظل رئاسة باراك أوباما يغضب إسرائيل والسعودية

2016

«العدالة ضد رعاة الإرهاب» (JASTA)

الكونغرس يصدر قانون «العدالة ضد رعاة الإرهاب» لملاحقة داعمي هجمات 11 أيلول، والذي بدا أنه يسمح ضمنياً بملاحقة السعودية

2016

«رؤية 2030»

ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يعلن «رؤية 2030» للتحول الوطني بملامح انفتاح ثقافي واجتماعي يراعي الانتقادات الأميركية

2017

ترامب في الرياض

الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في أول جولة خارجية له، يزور الرياض معلناً صفقات تسليحية وتجارية مع السعودية بقيمة 400 مليار دولار

2018

قتل جمال خاشقجي

قتل الصحافي السعودي المقيم في الولايات المتحدة جمال خاشقجي في قنصلية السعودية في إسطنبول، يضرّ بصورة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان

2019

عودة القوات الأميركية إلى السعودية بعد 16 عاماً من مغادرته

2019

هجمات على منشآت تابعة لـ«أرامكو»

تسبّبت بوقف جزء كبير من إنتاج النفط السعودي، وارتفاع سعر النفط العالمي. ودفعت واشنطن والرياض إلى دراسة «خيارات» الرد على إيران، بعدما حمّلتاها المسؤولية المباشرة عن الهجوم.

 

 

صحافة عربية

المصدر: الأخبار

الثلاثاء 01 تشرين الأول , 2019 04:05
تابعنا على
أخبار ذات صلة
الأحدث
شاشة الواقع السعودي
من نحن
.
نبذة عن الموقع
.
إتصل بنا
.
شروط الاستخدام
© 2019 - الواقع السعودي. جميع الحقوق محفوظة.
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي