حرب اليمن.. وخز الضمير والعقل
حرب اليمن.. وخز الضمير والعقل

بقلم: سامح عسكر

لم يكن أكثر المتشائمين قبل 10 سنوات يرى أن اليمن سيتعرض لما يعاني منه الآن من قصف جوي يومي على مدار سنوات ومجاعة و250 ألف ضحية، ثم تقسيم لمحافظات اليمن بين أمراء الحرب، وولاء القبائل لعدة دول متصارعة وصعود الحوثيين من جماعة صغيرة في صعدة أقصى طموحاتها أن تظل ضمن النسيج الاجتماعي اليمني إلى قوة إقليمية يُعمَل لها ألف حساب..

مشهد من القمة العربية أمس في مكة المكرمة وقد جمع فيها الضابط السعودي أجزاء من الطيران المُسيّر الحوثي ومن صواريخه التي أطلقها على المملكة في عرض حي أمام زعماء العرب، قد يثير هذا المشهد غضب المعارضين للمملكة بدعوى تسليط الضوء على صواريخ انتقامية بسيطة وعدم الكشف عن جرائمهم اليومية بالطائرات والصواريخ التي اعترفت بها الأمم المتحدة ودفعت وزير خارجية فرنسا لوصف الحرب ب (القذرة) في تعبير غير دبلوماسي غاضب يكشف إلى أي مدى وصلت الرؤية الفرنسية لملف اليمن.

وبخلاف هذا الغضب المعارض للمملكة قد يثير مشهد الضابط قبولا وارتياحا سعوديا لدعم الجبهة الداخلية وتبرير طول الحرب لسنوات أو ربما تبرير المجازر التي يقترفها طيران التحالف، ومعها ضمان دعم الحلفاء وحشدهم لمزيد من التصعيد إذا اقتضت الضرورة.

لكني أرى المشهد من زاوية مختلفة هي.. أن رؤية زعماء العرب لسلاح الحوثيين معروضا من قِبَل الجنرال السعودي وهو في موقف ضعف لهو سابقة سياسية في تاريخ الحروب، لقد ادعت المملكة أن جماعة الحوثي صغيرة وضعيفة، لكن مشهد الضابط والزعماء لا يقول ذلك ولا أعرف من هو الجهبذ الذي نصحهم به غير مدرك لعواقبه السياسية والإعلامية والنفسية، لاسيما أن ما ينطبع في ذهن الزعيم العربي فورا أن الحوثي أصبح قوة لا يستهان بها ..وبالتالي وفقا لتعاليم الدبلوماسية يجب النظر في الاعتراف به حاكما لليمن أو جزءا من سلطته على الأقل، وطالما رفضت السعودية هذا الاعتراف وتصر على وصف الجماعة بالإرهابية في وقت تسيطر فيه على العاصمة ومعها 9 محافظات يمنية بمن يسكنها من 20 مليون مواطن يعني أنه لا أمل قريب في الحل وتستمر الحرب إلى ما يعلمه الله.

خصوصا وقد أعرب زعماء العرب عن ضعفهم أمام الملك السعودي ومسؤوليه وهم يعلنون البيان الختامي للقمة العربية وفيها تعبيرات أجزم أن كثيرا منهم يرفضها لكنه مُجبر على عدم الإدلاء برأيه الحقيقي لأمور قد نعلم منها اليسير، وما موقف العراق من البيان الختامي برفضه إلا إفراز لهذه الأزمة العربية التي شرحتها سابقا بملخص وجيز وهو "أن فقدان العرب للإنجاز المحلي عرّضهم للبطش الجماهيري فيما لو فقدوا الدعم المالي والإعلامي ورضا الحليف الأمريكي والأوروبي سيخسرون مقاعدهم بالتبعية" لذلك نرى أن الدول التي حققت إنجازها بنفسها دون الاعتماد على أمريكا وبعيدا عن أيادي حلفائها الخليجيين لم يخافوا كماليزيا وتركيا وإيران وأعلنوا معارضتهم لما يحدث بأشكال مختلفة.

إذن فالسعودية كنظام سياسي يقتات على تخلف وفشل حكام العرب، وبالتالي عندما يريد أن يجمعهم في أي وقت ليقولوا ما يؤمن به ويدافع عن مصالحه الخاصة لن يترددوا، وقد يثير هذا تساؤلا حول نتائج الربيع العربي وطبيعة الأنظمة الحالية ومدى الحاجة في المستقبل لمزيد أو نوع خاص من التغيير.

لن أستعرض تاريخ حرب اليمن وأسبابها فقد شرحتها في مقالات ودراسات سابقة ومحاضراتي على يوتيوب.. لكن ما يمكن قوله الآن هو أن ملف اليمن انتقل لمرحلة جديدة وفقا للصراع المباشر بين إيران والولايات المتحدة، فالحروب عادة تتأثر بأي معطيات أو تغيرات مهما كانت بسيطة في نطاقها المؤثر، ولا شك أن الخليج بضفتيه الشرقية والغربية هو في نطاق التأثير على ملف اليمن، خصوصا مع اتهامات المملكة لإيران بدعم الحوثي بالسلاح.. وهو ادعاء حتى لو ثبت صحته ففي تقديري هو خارج إطار الصراع إذ تأكد أن الحوثي قوة إقليمية بالفعل، وبالتالي  لم يعد ولاؤه لإيران من عدمه سؤالا صحيحا.. لاعتبارات منها غياب القدرة على محاسبة إيران والحوثي نفسهما لاسيما بعد تأكيدات إدارة ترامب المتكررة أنها لا تريد الحرب مع إيران وأن خلافهما الوحيد هو في الاتفاق النووي.. في ظل انسحاب أعضاء التحالف العربي كالمغرب والتهديد بانسحاب السودان وفق المتغيرات الأخيرة بعد سقوط البشير.

إن ما يمكن تأكيده كعقبة للسلام في اليمن هو أن أطراف الحرب الحقيقيين (الحوثي والسعودية) لديهم وجهات نظر مختلفة للغاية – دينية وسياسية - في كل ملفات الإقليم والعالم، بالتالي قصة التوفيق بينهم قد تخضع لمتغيرات الإقليم والعالم معا، وأذكر أنني تنبأت منذ 4 سنوات أن نجاح روسيا والأسد في هزيمة الجماعات سيحرف أنظار العالم لليمن بضغط دولي وحقوقي يهدر طاقات المملكة ويستنزف مقدراتها مما يضطرها إما لوقف الحرب من جانب واحد أو الاتفاق مع الحوثيين لتقاسم السلطة، هذا في حال إيمان السعودية بالسلام.. بينما قد يتطور النزاع لمكابرة وإثبات ذات وقتها سترتكب المملكة مزيدا من الجرائم ويسقط ملايين الضحايا مما يستدعي تدخلا دوليا حازما تجري مقدماته الآن بقرارات أوروبية وأمريكية تحظر بيع السلاح لدول التحالف.

وفي رأيي أن هذه المرحلة تمثل مرحلة الضغوط الدولية التي لو طالت أكثر من اللازم ربما تتعرض المملكة فيها إلى الإفلاس والسقوط، وتمنياتي أن يرى عقلاء المملكة هذا الواقع بصدق وتجلٍ للبصائر دون عاطفة فيتخذوا قرارا بوقف الحرب واللجوء لخيار السلام الوحيد للحل، وفيما لو قرر زعماء التحالف ذلك يكونون قد أسقطوا كل المؤامرات التي تُحاك ضدهم لمزيد من التورط والاستنزاف.. أو ربما تفكيك دولهم لإمارات متصارعة كما كانت قبل 100 عام.

مع ذلك أؤمن أنه لا فائز في أي حرب مهما كان حجم الخسائر.. فكل الحروب خسائرها كبيرة إن لم تكن مادية فهي نفسية وعقلية، فالشحن الديني الماثل في الحالة اليمنية يصنع متطرفين في كلا الجانبين يحكمان المجتمع ومع ظهور أجيال جديدة تجري تنشئتهم على قيم معادية للآخر.. وأظن أن هذا الجيل الذي نعيشه هو نتاج وإفراز حقيقي للحرب الباردة خصوصا تبعاتها في أفغانستان، أما الحروب الأخرى كالصومال واليمن في التسعينات والعراق مع إيران والكويت ففيها تداخل عوامل القوميات والطموحات الدينية معا.. مما يؤكد أن أزمة الجيل الحالي والمنطقة بأسرها في أنها لا تعيش فقط تطرفا دينيا بل تطرفا في كل شيء يخص الآخر المختلِف في وجهة نظره.

إن التكاليف المادية والنفسية لحرب اليمن كبيرة تكاد تكون كارثية، فهي وإن أسقطت 250 ألف ضحية – حسب اعتراف الأمم المتحدة – فهي تُنشئ جيلا يمنيا وسعوديا كارها لبعضهما مما سيؤسس مستقبلا لحروب ونزاعات بين الأشقاء والجيران، فالحوثيون أثبتوا أنهم ليسوا فصيلا يمنيا صغيرا بل هو الأغلبية في كل شيء سواء بالسلاح أو الجمهور، فهو وإن تأخر في عدن قبل 3 سنوات تقدم الآن في الضالع والبيضاء وبات على مقربة من عدن مرة أخرى، لكن مع ذلك فيصعب أو يستحيل على تلك الغالبية السيطرة على كل أجزاء اليمن خصوصا في مأرب والجنوب. لذا فالسلام ضرورة حياه لليمنيين ليس فقط من أجل أرواحهم ولكن من أجل أملاكهم ووحدة أرضهم.

كذلك السلام مهم للسعوديين لتداخل قبائل الجنوب مع شمال اليمن من ناحية، ومن ناحية أخرى وقف الابتزاز والتصعيد والاستنزاف الذي تتعرض له المملكة منذ سنوات، فوقف الحرب إذن مصلحة سعودية يخشاها زعماء المملكة لطريقة وشكل المنطقة بعد ذلك، فهم يرون أن توقف الحرب بأي ادعاء وكيفية معناه انتصار للحوثي وظهورهم كزعماء يتودد إليهم الراغبون ويكثر من حولهم الأتباع فتضعف المملكة أكثر، لذا فهم يرون أن استمرار الحرب – مع كل أزماتها وكوارثها – أفضل من إيقافها وتعرض سمعة بلدهم للانهيار، وقد يؤثر ذلك على استقرار الأسرة الحاكمة لاسيما أن ولي العهد الحالي الأمير "محمد بن سلمان" كان هو صاحب قرار الحرب على ما يبدو وأكثر زعماء السعودية تشددا تجاه إيران ومن يراهم حلفاء لها.

فالمسؤولية لن يتحملها شخص بسيط ضابط مثلا أو جنرال مغمور، لكنه الحاكم المرتقب للسعودية، ومع العلم أن النظام السعودي ملكي وراثي مطلق يكون المسؤول الأول عن الهزيمة وكبش فدائها هو أكبر وأهم شخصية في البلاد، بالتالي على حكماء آل سعود التريث في مسألة وقف الحرب كما يظنون، مع بذل الجهد لتصوير المعركة محليا ودوليا على أنها جزء من الحرب مع إيران، ولكن على ما يبدو أن هذا الادعاء لم يعد مقنعا لكثير من قادة العالم الذين صرح الكثير منهم بضرورة وقف الحرب، حتى الكونجرس الأمريكي بوصفه برلمانا لأهم دولة داعمة للتحالف أعلن رفضه هو الآخر.. وقد يعتد البعض بفيتو ترامب ضد الكونجرس لكن هذا الخلاف في الأخير يثبت ويؤكد أن الرأي العام الأمريكي وغالب صناع القرار في هذا البلد لم يعد متعاطفا مع السعودية وسيقطع دعمه لها عاجلا أم آجلا.

فعلى المملكة الاستعداد لهذا الصدام المتوقع مع قادة أمريكا المستقبليين خصوصا مع احتمالات ترشح إحدى شخصيتين ضد ترامب "جو بايدن أو بيرني ساندرز" وكلاهما ضد حرب اليمن وشعبيتهما كبيرة.. لكن ساندرز أكثرهما تشددا ضد مبدأ الحروب بالكلية في خطط وبرامج رئاسية له في الترشح بدأت تظهر للعلن عن استعداده لخفض نفقات الجيش الأمريكي باستدعاء وحل وتفكيك القواعد الأمريكية في الخارج ثم توجيه تلك الأموال للبنية التحتية وخصوصا قطاع التأمين الصحي الذي يعاني من فقدان 35 مليون مواطن أمريكي لخدمات ذلك القطاع.

إن مؤشرات عديدة تقول إن حرب اليمن في فترتها الأخيرة، وإن هذه الفترة بدأت من نجاح روسيا في تحويل ملفها من مجلس الأمن والانقلاب على شرعية عبدربه هادي إلى ملف (إنساني وحقوقي) هذا ساعد في توجيه أنظار العالم لليمن كبلد مظلوم يتعرض للقصف الهمجي معززا بآلة إعلامية ضخمة باتت تنقل كل شيء عن اليمن، خصوصا مع تواجد فرق الأمم المتحدة في الحديدة كوسطاء وضامنين لاتفاق السويد.

لكن ما يمكن تأكيده في هذا السياق أنه حتى في حال إيقاف الحرب لا يعني ذلك توقف أزمات اليمن، فالظهور الحوثي في صعدة هو قطعة الشطرنج المقابلة للظهور الوهابي أيضا في صعدة، وبالتالي فوقف دول الخليج دعمها لنشر الوهابية يجب أن يترافق مع مطالبهم بالقضاء على الحوثي.. مع التنبيه بأن مطالبهم تلك لا ينبغي أن تطال ملف حقوقهم الإنسانية كفصيل يمني شعبي أثبت نفسه في تلك الحرب، ولكن بالاعتراف بهم ضمن مجموعة شركاء في سلطة اليمن وإلا ستستمر الأزمات بحشد الحوثيين أنصارهم دينيا وأيديولوجيا مقابل حشد التحالف أنصاره أيضا دينيا وسياسيا، وما مؤتمر مكة الأخير ودلالته الدينية إلا تأكيد على الباعث الديني وراء حرب اليمن بالأساس.. وتصوير معاركه على أنها تصدٍّ مشروع لطموح إيراني شيعي يستهدف أهل السنة.

فالعالم كله أصبح مطالبا بالإيمان بنوع جديد من الصراعات لم يعد فيه السلاح هو الحَكَم بل العقيدة والتكنولوجيا، فقد أفرزت الحقبة الأفغانية وما سبقها من ظهور إرهابي للجماعات في مصر مصدرا وشريانا يغذي مبدأ الصراع في الشرق الأوسط على أساس عقائدي، مسلحا الآن بوسائل تكنولوجية ضامنة للبقاء وتوفر أبسط أساليب التواصل والدعم النفسي والحشد المعنوي، لذا فالحرب لم تعد بالسلاح كما كانت في ww2 مثلا بل أصبحت (حرب أفكار) تتطلب مواجهة عالمية لتلك الظاهرة ودراسة أبسط وأدق الأساليب لمواجهتها، ويقيني كما أن العالم نجح في القضاء على الفاشية والنازية سيقضي على إرهاب المسلمين واليمين الديني المسيحي واليهودي في مقابله.. لكن فقط إذا خلصت النوايا واجتمع القادة والمثقفون عليه.

أما حرب اليمن فهي حرب أفكار بالأساس، وما السلاح والقبائل إلا أدوات لتلك الحرب الفكرية التي لم تغادر أصولها العتيقة في حادثة السقيفة ومجازر صفين وكربلاء منذ 1400 عام، والأهم حادثة استشهاد الإمام "زيد بن علي" على يد الخليفة الأموي "هشام بن عبدالملك" وتمثيله بجثة الإمام العلوي الشهير، فلا نعتقد أن تلك الحوادث لا تشغل ضمائر وخيالات المعاصرين لأن إحياء أمريكا والسادات للأصوليين قبل 40 عاما أحيا به تلك الحوادث فعادت لتشغل عقل وبال الجمهور، هكذا الحل.. حاربوا الأفكار ومقدسات المذاهب والأقدمين ستُحَل نصف مشاكل الشرق الأوسط، أما النصف الثاني فسيكون عبر الحداثة ونشر الثقافة والحريات، وما أحوج اليمن الآن للسلام والثقافة والحريات.

أقلام حرة

المصدر: سامح عسكر

الأربعاء 05 حزيران , 2019 02:21
التعريفات :
تابعنا على
أخبار ذات صلة
الهان عمر ورشيدة طليب وكشف حقيقة "إسرائيل" للشعب الأمريكي
هل سيُنفّذ ترامب تهديداته ويأمُر أساطيله باحتجاز الناقلة الإيرانيّة بعد الإفراج عنها؟ وماذا يعني رفض سُلطات جبل طارق الانصِياع لطلبه بمُصادرتها؟
"مودي الهند" يطبق السياسة الإسرائيلية ويحول كشمير الى سجن كبير.
فلسطينيّو لبنان و”صفقة القرن”: قانون العمل
11 حقيقة تثبت ان الحرب في اليمن ليست يمنية.. وانما عدوان خارجي.
الأفعى الكبرى تراقص الأفعى الصغرى.. متى يدرك اردوغان أن ترامب يقوده بأذنيه الى ... جهنم ؟!
الأردن على صفيح ساخن.. الملك عبدالله الثاني يخشى زوال نظامه.. شخصية أردنية: "لقد تورطنا في تخريب سوريا".
هل يوجد قتلة اقتصاديون محليون يعطلون المشاريع التنموية كتوليد الكهرباء من الصخر الزيتي؟
تطبيع سافر وتضليل خبيث.. الغرب المنافق وتركيا المتآمرة.
باحث فلسطيني: النظام الرسمي العربي والكيان الصهيوني توأمان ولدا من رحم الاستعمارين البريطاني والفرنسي وهكذا تعاونا في نشأة الكيان في مسرحية حرب 1948.
الأحدث
شاشة الواقع السعودي
من نحن
.
نبذة عن الموقع
.
إتصل بنا
.
شروط الاستخدام
© 2019 - الواقع السعودي. جميع الحقوق محفوظة.
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي