الباحث القطري "بدر النعيمي": إشاعة وهم "الخطر الإيراني على العروبة والإسلام" في أذهان الناس.. لماذا وإلى أين؟
الباحث القطري "بدر النعيمي": إشاعة وهم "الخطر الإيراني على العروبة والإسلام" في أذهان الناس..  لماذا وإلى أين؟

بدر النعيمي*

الخطر الإيراني، التمدد الشيعي، المشروع الفارسي، الحقد المجوسي، الإرهاب الصفوي، الميليشيات الإيرانية... إلخ. مصطلحات لطالما حرص الإعلام التابع للمنظومة الأمريكية على ترويجها وتضخيمها وغرسها في الأذهان كحقائق لا تحتاج لدليل إذ تحشد مخاوف الجمهور ضد خطر داهم يتهدد المنطقة والدين الإسلامي والعالم بأكمله.

كل تلك المصطلحات تأتي كتجسيد لأساليب إدارة الإدراك أو صناعة الوهم عبر خلق ما يشبه فزاعة تستثمر القوة الغريزية لنوازع الخوف في نفوس الجمهور، خوف يتم اختلاقه وتضخيمه لأغراض تخص من يديرون المطابخ الإعلامية.

بتأمل مجالات استخدام الفزاعة الإيرانية نجدها متعددة الأوجه بتعدد مجالات اهتمام الجماهير، فالطائفي يتم تخويفه من المد الشيعي، والقومي يتم تخويفه من الهيمنة الفارسية، والمتدين تتم إحالته إلى المؤامرات المجوسية، أما الليبرالي فيتم إغراقه بمخاوف الحكم الكهنوتي لنظام الملالي الرجعي الاستبدادي المعادي للديمقراطية من خلال التركيز على أخبار انتهاكات حقوق الإنسان مثل اعتقال المعارضين وكثرة أحكام الإعدام في إيران... والمثير للضحك أن نرى الفضائيات السعودية (العربية، الحدث) تثابر على إدانة النظام الإيراني باضطهاد المرأة وقمع حرياتها وسلب حقوقها. 

التوظيف الدعائي والسياسي لفزاعة إيران لم يقتصر على النطاق الإقليمي، بل تعدّاه إلى استخدامها في الداخل الأمريكي بشأن قضايا بعيدة لا شأن لإيران بها كما فعل الرئيس ترامب في بيانه الصادر بتاريخ 20 نوفمبر الماضي، وهو بيان جدير بالاهتمام حقاً، إذ وفي مواجهة الرأي العام الأمريكي الناقم على تواطؤ البيت الأبيض مع محمد بن سلمان بشأن جريمة مقتل خاشقجي، يستخدم ترامب فزاعة إيران لتمييع الجريمة وتبرير التستر على حليفه السخي محمد بن سلمان.

يومها كان الشعب الأمريكي ينتظر من رئيسه ترامب توضيح موقفه من ثبوت تورط ابن سلمان بالجريمة، فطلع عليهم ترامب ببيان يتحدث عن خطر إيران على أمريكا وعلى العالم ثم عاد بعدها ليتحدث عن أمن إسرائيل وأهمية الدور السعودي في محاربة إيران.

كان جوهر كلام ترامب مبنياً على الفكرة التالية: (بقاء ابن سلمان ضروري لأمريكا التي تستخدم السعودية لمحاربة إيران وحماية إسرائيل). هكذا كانت خلاصة ما قاله ترامب في بيان يفترض أنه مخصص لدرء تهمة خاشقجي عن ولي عهد بقرته التي يحتلب ضرعها ويوجه قرنيها نحو جيرانها العرب المسلمين الذين تخشى إسرائيل من خطرهم عليها.

قبلها بيومين ولغرض تخفيف ضغوط خصومه في الكونغرس وجدنا ترامب يتحدث بما مفاده أن بقاء ابن سلمان في العرش هو الضمانة الأكيدة لبقاء إسرائيل وحمايتها من الخطر الإيراني.

***

على المستوى المحلي، يتسع ويتنوع توظيف البعبع الإيراني بحسب حاجات الدول التي تعمد لذلك، فمثلاً نجد النظام السعودي يستخدم "فزاعة إيران" في عدة مجالات داخلياً وخارجياً، يمكن تلخيص أهم أغراضها فيما يلي:

- تعميق الاستقطاب الطائفي في المجتمع ذي الغالبية السنية كأداة من أدوات السيطرة والتحكم الديني الذي يسهل إخضاع الجموع للحاكم أو إلهائها عن مشاكلها الحياتية. وهذا توظيف يرتبط بحقيقة أن العداء للطوائف الأخرى هو ركيزة أساسية للفكر الوهابي.

- تبرير قمع الأقلية الشيعية ومجابهة مطالبهم العادلة بتهمة الخيانة والتواطؤ مع "العدو الشيعي" وبما يستوجب إنزال أقصى العقوبات بمن يتجرأ على طرحها.

- التوظيف الشائع لممارسات خلق وهم العدو الخارجي الشرير الذي يهدد الوطن والدين، كوسيلة يستخدمها النظام للهروب من مواجهة استحقاقات الداخل وإلهاء الناس عن معاناتهم بما يطيل من عمر النظام، ولغرض تخويف المجتمع من الأسوأ وتحشيد الرعية خلف الحاكم بحيث يتشبثون بالمستبد الداخلي الذي يتقمص هنا دور حامي الوطن والشعب والعقيدة... فهكذا يكون المجتمع مستعداً للتنازل عن كثير من حقوقه أو السكوت عن انتهاكها في مقابل الأمان وحماية الوطن أو الانتصار للدين عبر "محاربة الروافض الكفرة".

- خلق وهم العدو المتربص يسهل إدانة أي معارض للنظام بتهمة الخيانة الوطنية، كما يوفر تهمة رادعة في مواجهة كل من يفكر في معارضة النظام وبحيث يمكن إلصاقها بأي معارض أو مطالب بالإصلاح.

- تنفيس احتقان الجماهير الناتج عن الظلم والاستبداد وهدر الثروات، بتوجيه غضبهم المكبوت نحو العدو الخارجي أو نحو الآخر الشيعي.

على المستوى الإقليمي يأتي توظيف الفزاعة الإيرانية استجابة لاحتياجات الأنظمة العربية المنخرطة في دعم المشروع الصهيوني، سواء بغرض تمويه أدوارها المتواطئة ضد القضايا العربية، والتعمية على خيانتها أو انقيادها للإملاءات الأمريكية، وتتفرع عن هذي الحاجة جوانب عديدة يمكن بيان أهمها فيما يلي:

- الاشتغال على أن تخويف الشعوب العربية بالخطر الإيراني قد يجعلها تتقبل تحالف حكامها مع الكيان الصهيوني عبر تضخيم خطر "الفزاعة" خصماً من حساب الخطر الصهيوني الفعلي.

- تسهيل تمرير سياسة التطبيع الرسمي مع زيادة فرص نجاحها بالتطور إلى تطبيع شعبي.

- أن إشاعة وهم "الخطر الإيراني على العروبة والإسلام" في أذهان الناس هو المدخل لتشويه كل حركات المقاومة التي تحارب الكيان الصهيوني فعلياً، من خلال إلصاق تهمة العمالة لإيران بها وبما ينفر الناس من جهودها ويشكك في إنجازاتها ويطعن في تضحياتها. بنفس الأسلوب يتم تشويه كل الدول والجماعات والقوى والأشخاص الرافضين للهيمنة الأمريكية والساعين للتحرر من قيود الإمبريالية الغربية. فتهمة العمالة لإيران أو التبعية للإمام الفقيه قد صارت إدانة جاهزة يتم إلصاقها بكل من يرفض واقع الانبطاح الرسمي العربي أو يجاهر بعداء المشاريع الصهيونية، بما في ذلك المثقفون الرافضون لسياسات التطبيع إذ يجري ترهيبهم وتنفير الناس منهم باستخدام هذي التهمة.

وليس غريباً أن يشارك الكيان الصهيوني في هذا التوظيف لفزاعة إيران إذ يستخدمها للتشنيع على حركات المقاومة ولإسناد مواقف أتباعه داخل لبنان ضد حزب الله، وأيضاً لاستجلاب المزيد من الدعم العسكري والمالي من أمريكا. هذا مع حقيقة أن إيران بالنسبة للصهاينة ليست مجرد فزاعة بل هي خطر حقيقي محدق.

مؤخراً ظهرت استخدامات جديدة للفزاعة الإيرانية ضمن سياق الحرب على اليمن، حيث تم تبرير عاصفة الحزم بعدة مقولات منها قطع ذراع إيران، تحرير اليمن من الاحتلال الإيراني، مجابهة التمدد الشيعي... إلخ.

في بداية الحرب أعلن التحالف عن إنجازات وانتصارات وهمية أهمها تدمير مخزون الصواريخ البالستية اليمنية، وحين انكشفت تلك الأكاذيب مع تواتر وصول الصواريخ اليمنية لعواصم المملكة والإمارات، اضطر التحالف للتغطية بأكاذيب أخرى عن كونها صواريخ إيرانية تم تهريبها لليمن المحاصر بأساطيل التحالف إلى جانب دول الناتو المنتشرة على امتداد البحر الأحمر وخليج عدن حتى الخليج العربي!

ومع فشل التحالف الخليجي بكل ترسانته المتقدمة طوال أربع سنوات في تحقيق أي من أهداف حربه على ما يسمونه "ميليشيا" محاصرة، لجأوا لنفس الفزاعة بفبركة أكاذيب عن وجود قوات إيرانية تحارب في صفوف اليمنيين، وعن تهريب الأسلحة من إيران لتبرير فشلهم العسكري وتغطية هزيمتهم التي ما زالوا يرفضون الاعتراف بها حتى الآن.

يجدر الإشارة إلى أن ما يحدث في اليمن يقدم درساً بليغاً عن مدى التناقض الكبير بين الخطاب الإعلامي الخليجي وما يجري على الأرض، فالواقع يشير إلى أن دول الخليج لا تجرؤ على بدء مواجهة عسكرية مع إيران، إذ لو كانت صادقة في ادعائها لأطلقت عاصفة الحزم باتجاه (جزر طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى) لتحريرها من الاحتلال الإيراني، أو حتى باتجاه القوات الإيرانية الموجودة علناً في سوريا والعراق. واقع الأمر هو أن دول الخليج تجرأت على محاربة اليمن لأنها واثقة من حقيقة عدم وجود قوات إيرانية هناك.

ختاماً، وبالإشارة إلى الدور الإيراني في المنطقة العربية؛ وإذا سلَّمنا بمقولة أن الدعم الإيراني السخيّ لحركات المقاومة وللنظام السوري ليس دعماً بريئاً بل مشبوه تتخفى وراءه مطامع وطموحات الإمبراطورية الفارسية، فهذا سيعني أن إيران تنفق ثرواتها من أجل تحقيق مصالحها لا مصالح الغير. والسؤال هنا هو؛ ماذا عنا نحن كدول خليجية، لماذا نهدر مواردنا لأجل تنفيذ مخططات الغرب وتحقيق مصالحه؟!

إيران لديها مشروعها وتوجهها الاستراتيجي الخاص بها، فلماذا نحن كدول خليجية لا نمتلك مشروعاً خاصاً بنا وبأمتنا؟ لماذا نكتفي فقط بالسير خلف المشاريع الأمريكية التي هي صهيونية ومعادية بالضرورة لعروبتنا وديننا ومستقبل أجيالنا.

أقلام حرة

المصدر: بدر النعيمي

الجمعة 08 شباط , 2019 12:58
التعريفات :
تابعنا على
أخبار ذات صلة
أربع سيناريوهات محتملة.. الباحث السعودي "محمد الأحمد": هذه تداعيات تحقيقات مولر عن علاقة ترامب مع روسيا على منطقتنا والخليج تحديدًا.
الباحث القطري "بدر النعيمي": إشاعة وهم "الخطر الإيراني على العروبة والإسلام" في أذهان الناس.. لماذا وإلى أين؟
14 شباط بداية صراع عالمي جديد وليس عيداً للحب
"السعودية والإمارات وإسرائيل" متورطة.. المحلل السعودي "محمد الأحمد": هكذا انطلق تحقيق "مولر" وتشعّب وتوسّع وهذه نتائجه المتوقعة وتداعياته على "ترامب" و أمريكا.
باعتقال سلمان العودة.. ماذا خسرت السعودية؟؟
بعد أن غدر بصديقه الأسد.. هل أدرك أردوغان فداحة المؤامرة التي تورط بها؟؟
الطريق المفقود الى المُلك..عندما يحفر "ابن سلمان" قبره بيده.
المحلل السعودي "محمد الأحمد": الولايات المتحدة مقبلة على أزمة ستؤدي إلى انكماشها أو تفككها أو على الأقل انحسار نفوذها.. هذه تفاصيلها
المرأة السعوديّة التي ناضلت من أجل شعبها تختفي في السجن
صالح العنزي: المتورطون مع ابن سلمان.. عقوبة ان نفذوا الأوامر و عقوبة ان لم ينفذوها..
الأحدث
شاشة الواقع السعودي
من نحن
.
نبذة عن الموقع
.
إتصل بنا
.
شروط الاستخدام
© 2019 - الواقع السعودي. جميع الحقوق محفوظة.
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي