الولايات المتحدة انسحبت من الاتفاق النووي والأطراف الموقّعة ملتزمة.. فمن الخاسر الأكبر؟
الولايات المتحدة انسحبت من الاتفاق النووي والأطراف الموقّعة ملتزمة.. فمن الخاسر الأكبر؟
وضاح عيسى : لم ينصت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى لغة العقل أو للتحذيرات الدولية، ومضى في تعنته معلناً انسحاب بلاده من الاتفاق النووي الموقع بين "السداسية" الدولية وإيران، وفرض عقوبات جديدة على طهران، في تنكر واضح من واشنطن للاتفاقات الدولية، وتنصل فاضح من التزاماتها القانونية والسياسية والأخلاقية، ولاسيما أن خروجها من هذا الاتفاق قد لا يكون الأخير لأنه جاء متوالياً لعدة انسحابات أمريكية من اتفاقيات دولية "باريس للمناخ" و"ميثاق الأمم المتحدة للهجرة" و"الشراكة عبر المحيط الهادي" تبناها ترامب الرافع لشعار "أمريكا أولاً" ليسقط هذا الخروج كل الذرائع الأمريكية بشأن الاتفاق النووي.
ماذا تريد واشنطن بانسحابها من التزاماتها الدولية؟ وخاصة أنها تركت، بتنصلها من الاتفاقات الدولية عموماً ومن الاتفاق النووي الإيراني على وجه التحديد، الباب مفتوحاً على المجهول بكل احتمالاته، ناهيك بردود الفعل على تجاهل الإدارة الأمريكية تبعات انسحابها من الاتفاق النووي الذي استغرق سنوات طويلة من المفاوضات الدولية المضنية، ولم تتوقف الإدارة الأمريكية عند هذا الحد، بل زادت الطين بلّة بفرض عقوبات جديدة على إيران، ما أثار موجة غضب دولية رافضة لإجراءات ترامب الذي عجز "الكونغرس" عن منع اندفاعه بذريعة أنه "لا يلعب دوراً في قرار الرئيس بالانسحاب من الاتفاق"، وهذا ما أشار إليه أحد أعضاء مجلس الشيوخ الذي أكد أن من مصلحة المجتمع الدولي الحفاظ على خطة العمل المشترك الشاملة (أي الاتفاق)، مادامت إيران ملتزمة بها، ومصلحة واشنطن في عدم فرض أي عقوبات جديدة، لكن أياً من المصلحتين لم تلتزم بهما إدارة ترامب، ما حدا بإيران إلى التحرك مستخدمة الآليات الموجودة في الاتفاق لإخضاع أمريكا للمساءلة عن انتهاكاتها له.

الرد على الانسحاب الأمريكي من الاتفاق جاء مباشرة من الرئيس الإيراني حسن روحاني الذي ربط الاستجابة بمشورات بلاده مع الدول الأخرى، وأصدر تعليمات لوكالة الطاقة الذرية الإيرانية للقيام بما هو ضروري، مؤكداً أن الولايات المتحدة لم تلتزم بتعهداتها مطلقاً، ومع ذلك أكدت طهران أنها ستعمل على ألا يكون الانسحاب الأمريكي نهاية الاتفاق، وبينما أتى الرد الأوروبي على لسان ممثلة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فريدريكا موغيريني بتأكيدها التزام أوروبا الكامل ببنود الاتفاق، ودعوتها طهران للعمل بالمثل من أجل الحفاظ على ما سمته "أحد أكبر الإنجازات الدبلوماسية"، أدانت روسيا بشدة القرار الأمريكي وأكدت أن الاتفاق النووي ليس ملكاً للولايات المتحدة بل هو إنجاز دولي وستواصل التعاون مع إيران لاستمرار الاتفاق، كما جددت مع الصين دعمها له.

وللعودة إلى القرار الأمريكي، ودوافع تنصله من التزاماته، أعلن ترامب انسحاب بلاده رسمياً من الاتفاق النووي مع إيران من دون أن يفصل في الأسباب، ووقع مرسوماً يقضي بفرض عقوبات جديدة على إيران بذريعة أن المنطقة ستمر "بسباق تسلح نووي" حال تمديده الاتفاق الذي يدّعي أنه "يسمح لإيران بمواصلة تخصيب اليورانيوم" زاعماً بأن لدى الولايات المتحدة "أدلة تثبت أن إيران تنتهك الاتفاق النووي"، مستنداً بذلك إلى المسرحية الهزلية الإسرائيلية التي لاقت استهجاناً ورفضاً دولياً وانتقاداً واسعاً حتى من داخل "إسرائيل" لأنها لم تكن سوى كذبة كبرى من أجل أمرين أساسيين، الأول: تحريض الولايات المتحدة للانسحاب من الاتفاق، والثاني: من أجل استمالة الرأي العام.

المسرحية الإسرائيلية "الكذبة" المدبرة من أجل النيل من إيران ومن الاتفاق النووي لم تجد صدى لها إلا لدى ترامب الذي رأى فيها مخرجاً وحيداً من ورطته أمام العالم ومسوغاً لانسحابه من الاتفاق وتعهده بفرض عقوبات اقتصادية قاسية على إيران، وأخرى "على أعلى مستوى" لأي دولة تقف إلى جانبها، بزعم أمريكي في "مساعدتها للحصول على الأسلحة النووية"، وربما اتخاذ هذه المزاعم، التي يسوقها ترامب، مسوغاً للضغط الأمريكي على إيران وربما الحرب عليها مستقبلاً.

ترامب تجاهل كل الدعوات ووقع انسحابه الذي وصفه سلفه باراك أوباما بالخطأ الفادح، فلماذا انسحب ترامب من الاتفاق؟ مع أن الانسحاب يضرب مصداقية الولايات المتحدة وينذر في الوقت نفسه بسباق تسلح جديد حذر منه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري الذي قاد جهود أوباما للتوسط في الاتفاق، ورأى كيري أن إيران تفي بمسؤوليتها تجاه الاتفاق النووي، وتساءل: لماذا ينبغي أن نختار الانسحاب الذي يمنح "إيران الحق في فعل ما تريد"؟.

كلام كيري لم يعجب ترامب الذي صب جام غضبه وتهجم عليه بقوله: "ابق بعيداً جون فأنت تؤذي بلدك" ووجه انتقاده إلى دبلوماسية كيري مع إيران بقوله إن "الولايات المتحدة لا تحتاج دبلوماسية الظل التي يقودها كيري"، لكن ترامب أبدى استعداده لإجراء محادثات مع إيران لإبرام اتفاقية نووية جديدة في ظل عدم وجود أي ضمانات لتغيير الإدارات الأمريكية اللاحقة موقفها من أي تفاق قد يبرم؟ وخاصة أن الإدارة الأمريكية الحالية تنصلت، فكيف ستلتزم هي أو سواها من الإدارات اللاحقة؟ ولاسيما أن الاتفاق النووي الموقع بين إيران والسداسية الدولية هو ملزم للجميع عقب تصديقه من قبل مجلس الأمن الدولي..

للوقوف عند فرض الولايات المتحدة عقوبات جديدة على إيران، كشف وزير الخزانة الأمريكي ستيف منوشين عن تفاصيل ستتخذها بلاده بحق إيران على خلفية انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي, مبيناً أن قسم مراقبة الأصول الأجنبية بالوزارة باشر بإجراءات تنفيذ قرار ترامب، إذ من المقرر بعد 90 يوماً أن تفرض واشنطن قيوداً على بيع العملة الأمريكية لإيران، وعلى شراء الذهب والمعادن الثمينة الأخرى والصلب والألمنيوم، والاستثمار في السندات الإيرانية، وصفقات شركات صناعة السيارات، وسيتم سحب تراخيص التصدير من شركات الطيران المدني، بما فيها "بوينغ" و"إيرباص" وسيفرض اعتباراً من 6 آب القادم الحظر على استيراد السجاد والمواد الغذائية الإيرانية، كما ستستأنف الولايات المتحدة جهودها للحد من صادرات النفط الإيرانية بعد 180 يوماً، وستجري الخارجية الأمريكية خلال هذه الفترة مشاورات مع دول أخرى وستقيّم مدى تقليص الدول الأجنبية لمشترياتها من النفط الإيراني، وستطول العقوبات أيضاً الموانئ الإيرانية وسفنها ومصانع السفن، وستفرض قيوداً على تحويلات مالية بين المؤسسات المالية الأجنبية والبنك المركزي الإيراني وخدمات التأمين، ويبدو أن واشنطن ستتعامل بحذر مع تداعيات العقوبات على المؤسسات الصناعية التي تعمل معها، في وقت يؤكد فيه محللون أن خسائر أمريكا وأوروبا ستكون أكبر بكثير من خسائر إيران، زعم منوشين أن هدف فرض عقوبات جديدة على إيران هو لدفعها إلى التفاوض على اتفاق جديد!.

فإذا كان ترامب يزعم أن انسحابه من الاتفاق "هو من أجل الحد من سباق تسلح نووي في المنطقة ومنع إيران من امتلاك السلاح النووي"، فإن المجتمع الدولي، بعكس الموقف الأمريكي، يؤكد أن الاتفاق يسهم في عدم امتلاكها للسلاح النووي التي لا تسعى إيران إليه أصلاً وخاصة أن إيران ملتزمة ببنود الاتفاق وبسلمية أنشطتها النووي وهذا ما أكدته الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فماذا تريد واشنطن بالضبط وما أهدافها ؟.
هناك من يرى أن تحرك واشنطن يأتي من أجل "شيطنة" إيران بعد الصفعة الكبيرة التي تلقتها الأولى نتيجة فشل العدوان الثلاثي على سورية، والإنجازات الميدانية التي تحققها سورية بالتعاون مع حلفائها في حربها على وكلاء واشنطن، ونتائج الانتخابات اللبنانية التي جاءت لمصلحة المقاومة الوطنية اللبنانية، وكل ذلك وغيرها من الأسباب حرك اندفاع الولايات المتحدة وربيبتها "إسرائيل" لإشعال حرب جديدة ضد طهران كان الانسحاب من الاتفاق أول خطواتها.

ورغم ذلك، أرسل آلاف الأمريكيين من النخب السياسية والفنانين والناشطين الحقوقيين من أنصار السلام، رسالة إلى الشعب الإيراني قدّموا فيها اعتذارهم عن نكث الرئيس الأمريكي للعهود الدولية وانسحابه من الاتفاق النووي وأعربوا عن استيائهم من انتهاك حكومتهم للاتفاق وأعلنوا استعدادهم لفعل كل ما يلزم من أجل تغيير قرار الانسحاب لاعتقادهم بأن الاتفاق النووي هو اتفاق حقيقي.

في المقابل، أعلنت إيران استعدادها لكل الخيارات، وفي ردها على قرار انسحاب ترامب الذي وصفه التلفزيون الرسمي الإيراني بـ "غير القانوني وغير المشروع ويقوض الاتفاقات الدولية"، وفرض عقوبات جديدة عليها، أكدت عدم تقديم أي تنازلات ولن تقف مكتوفة الأيدي، وأصدر الرئيس الإيراني حسن روحاني تعليمات لكل من يلزم للقيام بما هو ضروري وقال: إن بلاده لن تنسحب من الاتفاق النووي وستجري مشاورات مع الدول الضامنة للاتفاق الذي صادق عليه مجلس الأمن، مؤكداً ضرورة تقديم الأوروبيين الضمانات اللازمة لاستمرار الاتفاق.
وتوقع الرئيس روحاني أن تواجه بلاده مشكلات في حال فرض عقوبات جديدة، لكنه أكد القدرة على تجاوزها وطمأن الشعب الإيراني بأن المرحلة القادمة ستكون هادئة والأسواق مستقرة وسيتم تأمين العملات الصعبة التي تحتاجها إيران.

مواقف الدول الموقعة للاتفاق النووي بدت معارضة ورافضة لانسحاب ترامب وأعلنت مواصلة تطبيق الاتفاق، فروسيا جددت مع الصين دعمها للاتفاق وأكدت عزمها مواصلة التعاون الثنائي والحوار السياسي مع إيران، وأعربت خارجيتها في بيان عن أسفها العميق من قرار ترامب التخلي بصورة أحادية عن الاتفاق, ورأت أن خطة العمل المشتركة الشاملة تمثل اتفاقاً دولياً بالغ الأهمية، تمت المصادقة عليه بقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2231 الصادر عام 2015، وهو ليس ملكاً للولايات المتحدة وحدها، فهو إنجاز للمجتمع الدولي كله، الذي أكد مراراً اهتمامه الحفاظ عليه وتطبيقه الصارم والمستدام في مصلحة تعزيز السلم والأمن دولياً وإقليمياً ونظام منع انتشار الأسلحة النووية ورأت في تحرك واشنطن تقويضاً للثقة الدولية بالوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أظهرت خلال تطبيق خطة العمل المشتركة الشاملة مهنيتها العالية.
الأمم المتحدة أعربت عن قلقها من القرار الأمريكي واستئنافه للعقوبات ودعت من خلال أمينها العام أنطونيو غوتيريس الدول الموقعة إلى الوفاء بالتزامها بعد الانسحاب الأمريكي، بالتزامن مع إعلان بريطانيا وفرنسا وألمانيا في بيان مشترك اتفاقها على مواصلة تطبيق الاتفاق النووي.
وبخلاف المواقف الدولية الرافضة للقرار الأمريكي، لم تتوقف "إسرائيل" ودول عربية متحالفة معها عن التحريض ضد الاتفاق، ولكن من الخاسر الأكبر من هذا الانسحاب؟
أقلام حرة

المصدر: تشرين

الأحد 13 أيار , 2018 01:03
تابعنا على
أخبار ذات صلة
الأحدث
شاشة الواقع السعودي
من نحن
.
نبذة عن الموقع
.
إتصل بنا
.
شروط الاستخدام
© 2018 - الواقع السعودي. جميع الحقوق محفوظة.
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي