كيف دخل إلى هناك وكيف خرج إلى هنا.. جمال خاشقجي المفقود في الترجمة
كيف دخل إلى هناك وكيف خرج إلى هنا.. جمال خاشقجي المفقود في الترجمة

في قضية خاشقجي:

هناك جزء يخص السعودية والعالم من حولها هو الجريمة، التي تمت في القنصلية السعودية، واعترفت السعودية بالمسؤولية عنها.

لكن الجزء الآخر يخص الشرق الأوسط كله. الجريمة تستخدم لإعادة إحياء فريق إسطنبول وتلميعه.

ومن هنا، وبعد صمت طويل احترامًا للمجني عليه، فسلوك “الإعلاموباما” أتاح لنا وأباح أن نتحدث عن ”ما حول الجريمة“ وكيف تم في ظلها إعادة تلميع هذا الفريق.. باستراتيجية مقصودة. 

في عز صدمة مقتل خاشقجي، بالتحديد في اليوم العاشر بعد الواقعة، كتب باتريك بول، وهو مراسل شؤون الإرهاب في مؤسسة إعلامية لم أسمع عنها من قبل PJMedia، تغريدة يقول فيها:

“لم أكن أعلم حتى أمس أن جمال خاشقجي هو كاتب المقال سيئ السمعة الذي نشر في ١٩٨٨ عن جولته في أفغانستان مع أسامة بن لادن وشريكه في تأسيس تنظيم القاعدة عبد الله عزام”. ويضيف ساخرًا: “إنه مجرد صحفي إصلاحي ديمقراطي يحمل RPG مع الجهاديين”.

باتريك بول نفسه، كالمؤسسة التي يعمل فيها، ليس مشهورًا بالمعايير التويترية، وعدد متابعيه على تويتر حوالي 13 ألفًا، لكن التغريدة التي كتبها وصلت إلى شخص أكثر شهرة، شون ديفيز، لديه 140 ألف متابع، وله علاقات أوسع داخل صفوف الجمهوريين. يعرف نفسه بأنه أحد مؤسسي “ذا فيدراليست”، وهو منشور إلكتروني مؤيد لترامب.

في إعادة التغريد الخاص به أضاف هو الآخر تعليقًا يقول:

“هه. يبدو الأمر وكأن الحقيقة مختلفة عن السرد معدوم الأدلة الذي تتناقله وسائل إعلام ذات تاريخ طويل من الانخداع بمن يمثلون صدى صوت لإيران”. السرد معدوم الأدلة هنا إشارة إلى الصورة التي تعرف بها صحف أمريكية جمال خاشقجي وتقدمه إلى الناس. سنستخدم عبارته ”السرد معدوم الأدلة“ أكثر من مرة في هذه الرواية الصحفية.

بدأت الدورة من شخص ذي ١٣ ألف متابع، إلى شخص يحظى بأكثر من عشرة أضعاف هذا العدد من المتابعين، لكنها لم تتوقف هناك. أعيد تغريدها مرة أخرى، هذه المرة من شخص أكثر شهرة وأكثر نفوذًا، دونالد ترامب، ليس الرئيس، بل ابنه. لاحظ السهم الفوسفوري الأصفر في الصورة التالية.

هذا يعني أنها لفتت انتباهه، وقرأها، وأراد أن يلفت انتباه آخرين إليها. ومعناها الآخر أنها وصلت إلى الدائرة القريبة من الشخص الأكثر شهرة وتأثيرًا في العالم، الرئيس الأمريكي نفسه. 

مجرد إعادة التغريد من قبل دونالد ترامب الصغير، رأت فيها هافنجتون بوست – محقة – خبرًا يستحق إبرازه.

“شعر بالصدمة” بعض الأمريكيين من الفارق بين الصورة التي تقدمها واشنطن بوست عن جمال خاشقجي، والصورة التي يمكن لشخص عادي – أمريكي أيضًا ولا يعيش في الشرق الأوسط ولا يتحدث العربية – أن يعثر على ما يشكك فيها.

فما بالك بمن يقرؤون العربية ويعرفون أبطال الدراما!!

من حقائق العصر الذي نعيش فيه أن الإعلام لم يعد بيد نخبة. صحيح أن المؤسسات لا تزال أسرع في قدرتها على التأثير، تملك أموالًا وترسل مراسلين، وقادرة على نقلك إلى موقع الحدث وغمرك فيه، لكن السوشال ميديا تقدم بضاعة محببة إلى الناس منذ قديم الأزل – النميمة. 

أي ثغرة في القصة يكتشفها شخص عادي صارت محلًا للتداول، ودليلًا على معرفته بـ ”بواطن الأمور“، وعلى قدرته على هزيمة المؤسسة الكبيرة، كما هزم داوود جالوت. 

السوشال ميديا جعلت زوايا النظر إلى أية قصة لا نهائية، وجعلت الكشف عن زوايا جديدة لإثارة الاهتمام أكبر من أن تحصى.

نفس المنشور الإلكتروني الذي بدأ التغريدة PJ media، عاد يوم ٢٢ أكتوبر لكي يطرح السؤال الذي ربما حير كثيرًا من مواطني الشرق الأوسط قبل الجريمة التي أودت بحياة جمال خاشقجي. والذي يوجز منبع الريبة في علاقة واشنطن بوست بدوائر إسطنبول. 

 

لماذا تتعاقد واشنطن بوست مع شخص مثل جمال خاشقجي؟

بالنسبة لمواطني الشرق الأوسط تبدو الإجابة واضحة. لا أقول إنها صحيحة أو مخطئة، لكنها واضحة.

الإعلاموباما يحاول إحياء رميم عظام حلفائه في المنطقة، فيعيد سيرته الأولى التي رأيناها في مصر في ٢٠١١، ثم صدمتنا الحقيقة في الشوارع. الجارديان لا تزال تطلق على إرهابيي رابعة العدوية لفظ ”مناصري الديمقراطية“ (عاصم عبد الماجد بقى برو ديموكراسي يا مينز). هنا لا تهم الحقيقة كثيرًا، المهم أن يقدم حلفاءه بالصورة الإعلانية التسويقية المناسبة للزبون الغربي. أن ”ينجِّمهم“ كما نقول بالعامية.

والطرفان يعرفان تمامًا ما يفعلان. يعرفان اللعبة. 

جمال خاشقجي، في تشات له نشر على تويتر، “اقترح” أن تكون الوسيلة المثلى لرفع شخص من دائرته إلى مصاف الاهتمام العالمي أن يطرح اسمه لجائزة نوبل. وبما أن هذا صعب، فلتكن البداية هي مقال في واشنطن بوست. الشخص نفسه اسمه مجهول لكثير منا. أنا شخصيًا لم أقرأ له في حياتي إلا تغريدة يحذر فيها من استخدام ”السحر“ ضد المعتقلين السياسيين، وقال إن فقهاء كبار من المفرج عنهم تحدثوا عنها. 

فيا قوة الله!! لجائزة نوبل مرة واحدة. تلك التي كنا نظن أنها تمثل إنجازات غير مسبوقة. يذكرنا هذا بأن شخصًا مثل “توكل كرمان” حصلت عليها، وأن عراب الجميع – باراك أوباما – حصل عليها وهو بعد حديث العهد بمنصبه، لم ينجز فيه شيئًا، ثم مضى لتكون سنوات حكمه أكثر سنوات الشرق الأوسط دموية، وأكثرها انتعاشًا لجماعات الإرهاب دون خوف من عقاب أمريكي.

السطر الأخير يعيدنا إلى الفارق بين “مجرد الصدمة” التي يشعر بها مواطن أمريكي حين يقارن الصورتين، وبين “القلق الشديد” الذي نشعر به من استخدام جريمة خاشقجي لإعادة أيام ”الربيع الجهادي العربي“. كلمة الجهادي استخدمها خاشقجي نفسه، كما سنرى لاحقًا. 

فكيف أجابت واشنطن بوست على السؤال. وكيف كانت الإجابة أكبر دليل على سعيها المتعمد، لا العفوي، إلى تلميع طابور إسطنبول، مستغلة بشاعة الجريمة التي ارتكبت في حق جمال خاشقجي.

في البداية استخدمت الواشنطن بوست، كما الإعلاموباما، أسلوب الابتزاز الأخلاقي. اتهام كل من يثير شكوكًا حول الطريقة التي تصور بها جمال خاشقجي والتيار الذي يعبر عنه، بأنه يريد ”التغطية على جريمة خاشقجي“. 

نجح هذا الأسلوب فعلًا في إسكات منتقديها. حيث لا أحد فينا يريد أن يساهم ولو ضئيلًا في جريمة بشعة كقتل خاشقجي.

صمت الخصوم كان ضروريًا لواشنطن بوست لأنه الطريقة الوحيدة التي تستطيع بها تمرير أكاذيبها حول طابور إسطنبول، على مدار تغطيات عدة، وكان ضروريًا أيضًا لأنها لن تستطيع تجاهل هذا السؤال المحدد، ولا بد أن ترد عليه. ولن تستطيع أن تفعل ذلك لو فتحت المجال للجدل حول دقة/زيف المعلومات التي تقدمها عن المجني عليه. 

لقد نجحت فيما أرادت. لا يمكن إنكار ذلك. لكن نجاحها في إسكات خصومها أغراها بأن تمرر، كما الإعلاموباما، أكبر حملة من الأكاذيب، في خلفية الجريمة. هذه الحملة في الحقيقة بدأت قبل الجريمة نفسها. لم يكن استكتاب خاشقجي إلا خطوة فيها. لماذا تستكتب شخصا بهذه التوجهات؟ هكذا أجابت

 

بينما كان خاشقجي يومًا متعاطفًا مع الحركة الإسلامية، فقد تحرك إلى وجهة نظر أكثر ليبرالية وعلمانية، حسب ما يقول خبراء في شؤون الشرق الأوسط تتبعوا تاريخه المهني. خاشقجي عرف بن لادن في الثمانينيات والتسعينيات أثناء الحرب الأهلية في أفغانستان، لكن مقابلاته مع بن لادن كانت كصحفي صاحب وجهة نظر ويعمل مع مصدر عالي القيمة.

هذه فقرة واحدة قدمتها الواشنطن بوست. لكن كثافة الأكاذيب فيها أكبر من كثافة السكان في يأجوج ومأجوج. كما أنها تضم كل ملامح الاستراتيجية التي اتبعتها، بعد خطوة الابتزاز الأخلاقي للمنتقدين. ويمكن تلخيصها في نقطتين:

 نفي صفات سلبية، ليس إسلامجيًا.

إلحاق صفات إيجابية، هو ليبرالي وعلماني. وفي مواضع أخرى ترك السعودية اعتراضًا على قيود التعبير وعلى حرب اليمن. 

تبدو النقطتان بسيطتين. يمكن التعبير عنهما مباشرة بنفي وإثبات، كما في الفقرة المقتبسة أعلاه من الواشنطن بوست. 

لكن ”السرد معدوم الأدلة“ لا يكفي. الأحكام لا تكفي. لا بد من تقديم رؤية، ورواية. من الناحية الآخرى، لو قدمت رواية عن دوائر إسطنبول فسوف يتعمق أكثر وأكثر السؤال الموجه إليها: لماذا تستكتب الواشنطن بوست شخصًا مثل خاشقجي؟ والأنكى، قد تفقد دعم الرأي العام الغربي لـ ”مشروع إسطنبول“. وهو هدف أوسع من تحقيق العدالة الواجبة لجمال خاشقجي.

ما الحل إذًا؟

الحل معروف ورأيناه في أفلام عدة. إن أردت أن تهرب جهاز تفجير لا تجمعه معًا وتهربه في جسم واحد، وإلا سيسهل التعرف عليه. بل فككه. وهرب كل قطعة بمفردها. بحيث تبدو خارج سياقها مجرد قطعة معدنية، أو مكون من خليط، أو قطعة من بازل. 

هذا بالضبط ما فعله الإعلاموباما العالمي. فكك الرواية إلى قطع كثيرة. وقدم كل قطعة منها خارج سياقها. معتمدًا على أن القراء لن يجمعوا هذه القطع المتناثرة ويكونوا روايتهم. وإن فعلوا، فهناك قطع أساسية ستظل غائبة. 

لكننا هنا سنجمع القطع المتناثرة، من الإعلام العالمي وليس من الإعلام الناطق باللغة العربية. وسنجمع هذه القطع معًا. 

الآن نبدأ من النقطة الأولى، السهلة: 

هل جمال خاشقجي، ودوائر إسطنبول المحيطة، إسلامجية أم لا؟

صحيح أن ”خاشقجي عرف بن لادن في الثمانينيات والتسعينيات“ كما تقول الواشنطن بوست، ليس بالضبط أثناء الحرب الأهلية، لأن المعرفة استمرت إلى سنوات السودان، بالتحديد ١٩٩٥، بعد التفجير الأول لبرج التجارة العالمي، وبعد تفجير فندق في عدن يقيم فيه جنود أمريكيون في طريقهم إلى الصومال. وفي ذلك اللقاء طلب خاشقجي من بن لادن استثناء المملكة من عملياته، وهي وساطة خدمية مشهورة للإسلامجية، يلعبون فيها دور حلقة الوصل بين الإرهابيين والدول. 

إنما الموضوع برمته لا يهم. هذا في الحقيقة إقرار غرضه التشتيت. لقد خلقت الواشنطن بوست لنفسها حجة ضعيفة لترد عليها. من يقولون إن جمال خاشقجي إسلامجي لا يستندون في ذلك – فقط – إلى علاقته السابقة بالمجاهدين في أفغانستان، متعاطفًا، وليس فقط صحفيًا. إنما يستندون إلى الحاضر القريب جدًا. علاقته بالحرب الأهلية السورية مثلًا. هذه تغريدة من 2012.

”الجهاد في سوريا“ …. ”بمنهج أهل السنة والجماعة“. لا يحتاج القارئ المتحدث باللغة العربية إلى تعليق مني. حتى القارئ باللغة الإنجليزية يفهم أن الليبراليين العالمانيين لا يدعون الشباب إلى ”الجهاد“ ”بمنهج أهل السنة والجماعة“. ولذلك لن يرى أبدًا هذه التغريدة، أبدًا، ستظل قطعة بازل محجوبة. لن تتجشم الواشنطن بوست عناء تفسير سبب استكتاب صاحبها. ليس هذا فقط – لاحظوا – بل أيضًا تفسير سبب ترويجها إياه لجمهورها بأنها ”عالماني“. كما في السرد معدوم الأدلة الذي قدمته.

جمال خاشقجي، بالتأكيد، ليس عالمانيًا. بالعكس. لقد لاحظ بعد صعود محمد بن سلمان أن الصحف السعودية صارت تسمح بمقالات تبين ”فضائل العالمانية“ حسب تعبيره. فكتب في صحيفة الحياة يوم ١٨ أغسطس ٢٠١٧ منتقدا هذا. منتقدًا مجرد الطرح الفكري للعالمانية. مشيرًا إلى أقصى ما يمكن للسعودية تحمله ”أن تجتهد في فقه الإسلام“. ”بل إن قليلًا منها،“ والتعبير له في المقال مشيرًا إلى العالمانية، ”يمكن أن يفسد المزاج ويفقد الدولة أهم مقوماتها وركائزها في الحكم“.

تذكر، من فضلك، أنني لا أناقش رأيه. قد يكون مصيبًا أو مخطئًا. وهو أيضًا حر في هذا الرأي. لكنني أناقش نقطة أخرى تمامًا. أناقش وصف الواشنطن بوست له في ”السرد معدوم الأدلة“ بأنه عالماني. متى حدث هذا التحول الذي ارتكزت عليه الواشنطن بوست وهي ترسم للقارئ باللغة الإنجليزية قطع البازل التي تريد له أن يكون منها صورة خاشقجي؟ لا نعلم. راجع تاريخ مقاله. 

جمال خاشقجي، حتى هذه النقطة:

يدعو الشباب إلى الجهاد في سوريا،

يعارض العالمانية،

يعتبر أن الإخوان المسلمين رمز الاعتدال. 

هذه ثلاث قطع بازل، مدعومة بالأدلة. وليست أحكامًا انطباعية كالتي قدمتها الواشنطن بوست في تغطيتها. ثلاث أكاذيب واضحة في فقرة واحدة، في واحدة من أكبر صحف العالم، مكتوبة قصدا لتضليل القراء.

لا علاقة لهذا بالجريمة. ولا يمثل أي تبرير، ولا حتى استدراك في الإدانة والمطالبة بمحاسبة المسؤولين عنها. هذه الرواية الصحفية مجرد اختبار لرواية الواشنطن بوست عن خاشقجي وصحبه في دوائر إسطنبول، ليس إلا. صورتهم الحقيقية مقابل صورتهم المصطنعة في ”الإعلام المهني الحر“. لا أكثر ولا أقل.

لماذا؟

لماذا تقدمه الواشنطن بوست بهذه الصورة؟ ألم يكن ممكنًا إدانة قتله والمطالبة بحقه والإصرار على تعقب الجناة مع تقديم صورة حقيقية عنه؟ أليس هذا واجب الإعلام!!

ألا يمكن أن يكون ما تفعله الواشنطن بوست مضرًا لقضيته؟ لأنه يشكك الناس في مجمل ما تقدمه من آراء. كونها لا تعرف كتابها فضلًا عن أن تصر على تقديمهم على غير صورتهم؟ ألا يمكن أن يزيد هذا من فقدان ثقة الناس في الإعلام، وهي ظاهرة رأيناها بأعيننا في البريكزيت وفي الانتخابات الأمريكية. رأينا كيف يتوجه الناس عكس التوجه الإعلامي تمامًا!

والإجابة من وجهة نظري أن تلك كانت كذبة ضرورية، لا مفر عنها. وهو نوع منتشر من الكذب حين يعمل أصحاب الأيديولوجيات في الإعلام. لقد كان ضروريًا لإعلاموباما أن يثبت صورة جمال خاشقجي كليبرالي علماني لا علاقة له بالإسلامجية، ولو كان ذلك عكس الحقيقة تمامًا. 

فبناء على هذه الصورة – بعلم الإعلاموباما – يستطيع القارئ تفسير كل وترتيب كل قطع البازل القادمة، المتناثرة، التي سيلقيها الإعلام في وجه وعلى مسامعه.

بناء على هذه الصورة سيحدد القارئ إن كان مشروع إسطنبول مشروعًا لنشر الديمقراطية، أم مشروعًا لإعادة الخلافة. سيحدد إن كان الصراع بين إسطنبول من ناحية والقاهرة والرياض وأبوظبي من ناحية أخرى صراعًا بين ديمقراطية واستبداد، أم صراعًا بين مشروع توسعي إمبراطوري يعيد الخلافة، وبين دول وطنية ملتزمة بحدودها.

بناء على هذه الصورة، تُتنزع الألفاظ “المقلقة” للأذن الغربية من مشروع إسطنبول: 

لن يعود المشروع مشروع “خلافة”. تؤ تؤ تؤ. القارئ الغربي ممكن يزعل، ويقلق. سنسميها شيئًا آخر. سنسميها … اممممم … ما رأيكم أن نسميها “قاعدة شرق أوسط جديد”؟!

بالمناسبة: هذا فعلًا العنوان الذي استخدمته قناة  ABC الأسترالية، في مقال بسيط، متعاطف، عن حياة جمال خاشقجي، نقلًا عن مراسلة أسوشيتد برس في الشرق الأوسط، سارة الديب.

سنبدأ الفقرة التالية من هذه الرواية الصحفية بعنوان المقال.

 

”خاشقجي السعودي رأى تركيا قاعدة لشرق أوسط جديد“

لا بد من الإشادة بمن كتب/ت هذا العنوان الصحفي. كلنا نعلم أن خاشقجي سعودي، لكن إضافة النعت في العنوان أبرز التوتر المقصود، في قصة تتحدث عن تركيا، وعن كونها ”قاعدة“ لمشروع.

تقول الديب إن جمال خاشقجي عربي فخور أراد أن يجعل لنفسه مقرًا في أرض أسلافه في تركيا، وسط مجتمع من العرب المنفيين الذين لجأوا إلى هناك. لقد رأى خاشقجي في هذا المجتمع، مع قوة تركيا، تذكرة بالإمبراطورية العثمانية، حين كانت إسطنبول مركزًا لشرق أوسط تعددي وغني.

الخط الداكن العريض ”البولد“ أضفته أنا، لكي ألفت النظر إلى ألفاظ استخدمتها مراسلة من الشرق الأوسط، ومقيمة في بيروت، تكتب لجمهور يقرأ بالإنجليزية. 

أنا وأنت لا نتذكر متى كانت إسطنبول مركزا لشرق أوسط تعددي وغني، ربما كانت إسطنبول (الأستانة) نفسها كذلك، غالبًا على حساب بلادنا. أباؤنا أيضا لا يتذكرونها لأن معظمهم ولد بعد سقوط ”الخلافة.  أجدادنا ثاروا عليها وسعوا للاستقلال عنها. لو كنت مصريًا، فأجداد أجدادك فوجئوا حين أتت الحملة الفرنسية أنهم يعيشون خارج الزمن، ومن يومها صارت البلاد في حالة مشاحنة، وكر وفر مع سلطة إسطنبول.

لو كنت سعوديًا أجدادك أيضًا حاربوا العثمانيين، الهاشميون حاربوهم، وآل سعود حاربوهم. لقد كان هذا الصراع مهمًا في نشأة دولتك، في المحاولة الثالثة، بعد أن أسقطها العثمانيون مرتين. رحل آخر حكامهم، الأمير فخر الدين أو (فخر الدين باشا)، عن المدينة المنورة بعد حصار دام ثلاث سنوات، من ١٩١٦ إلى ١٩١٩. 

لو كنت إماراتيًا ستعرف أن فخر الدين باشا ليس مجرد اسم مضى في التاريخ. أردوغان تخلى عن الأعراف الدبلوماسية بسبب انتقاد الإمارات للباشا، وتحدث بلغة مستحق الولاء من عرب الجزيرة كخليفة، قبل أن يحول اسم الشارع الذي يضم السفارة الإماراتية إلى اسم هذا الشخص الذي قاتل أهل البلاد الأصليين دفاعا عن المستعمر العثماني.

أردوغان اتهم أهل البلد هؤلاء بـ ”الخيانة“.

بالمناسبة ليس هذا استطرادًا بعيدًا عن الموضوع الذي نتحدث فيه. بل في صلب الموضوع. نحن لا نزال مع مقال سارة الديب، التي اختارت أن تشير فيه إلى هذه الحلقة من التاريخ الحديث المتقاطع مع التاريخ الشخصي لعائلة خاشقجي. فتذكر أن أسلاف خاشقجي الأتراك تشردوا حين انتصر العرب على الأمير فخر الدين، حاكم المدينة المنورة، وفر الأتراك منها.

خاشقجي نفسها كلمة تركية معناها تاجر الملاعق (خاشوقة أي ملعقة، ولا تزال مستخدمة في العراق، وجي، أي المشتغل بالمهنة، ولا نزال نستخدمها في لهجات عامية كأن نقول مكوجي أو عربجي أو أخزاخانجي). وفي أيامه الأخيرة كان خاشقجي يعمل على فيلم عن الأمير المذكور، فخر الدين باشا، لا غيره.

أما الخيانة التي يشير إليها أردوغان فهي سعي العرب إلى التخلص من العثمانيين. أردوغان يعتبر العثمانيين أصحاب حق ثابت في حكم “المسلمين” من عرب الجزيرة، والمصريين، والشوام. من هنا ينطلق. هذا ما نفهمه نحن سكان المنطقة. نسميه ساخرين ”الخليفة“. 

هذا التقرير المشار إليه من سارة الديب، هو أفضل قطعة بازل حاولت أن تشير إلى بعض خلفيات الصراع، في حدود المسموح. لكنه يبقى قطعة بازل وحيدة، معزولة، منزوعة من مجمل الصورة. لا يمكن للقارئ الغربي أن يربطها بقطع البازل الأخرى التي أحاول إضافتها إلى القصة، لكي تكتمل، وتظهر الصورة كاملة. 

لكننا نقترب 

ربما نكون محظوظين، لأن لدينا أيضا قطع بازل دقيقة للغاية، لا يمكن أن تلفت نظر أحد غيرنا، فهي مكتوبة بلغة نقرأها، ولأنها معنية بامتدادات محلية لـ “طابور إسطنبول“، الأخ السوابق الذي يخبئونه في غرفة داخلية لو زارهم ضيوف غرباء.

نعم، من الآن وحتى نهاية هذه الرواية الصحفية سأنتقل إلى هذا المصطلح.. طابور إسطنبول.

هؤلاء المحليون منهم – ما شاء الله – إرهابيون مدانون بأحكام، كأسامة رشدي، وطارق الزمر، ومنهم سياسيون وبرلمانيون. منهم من هو مصري، ومن هو كويتي، وتونسي، ويمنية. لكنهم جميعًا يجمعهم، كما خاشقجي، شيء واحد – الولاء لإسطنبول، والترويج لمشروعها. المشروع الأممي الذي نعلم أنا وأنت ما هو: الخلافة العثمانية. 

بيتر وجون وكارين لم يتربوا على دعاية الإسلامجية المتواصلة للخلافة. كما أن إسطنبول وقنواتها لا تحرض عليهم وتروج للإرهاب على أرضهم. بيتر وجون وكارين لا يلتقون بالامتداد المحلي ولا الأقارب السوابق. 

وتذكر أن كلمة ”الخلافة“.. تؤ تؤ.. ممنوعة منعًا باتًا في صحافة الإعلاموباما. قطعة بازل محجوبة. كلمة سر مدفونة في عرف ديك أحمر مولود من بيضة مربعة رقدت عليها دجاجة بيربل كاروهات.

معرض الصور التالي يعرض لك عينة من “طابور إسطنبول” الممتد.

   

أضفنا إلى قطع البازل المتراصة قطعة أخرى مهمة وبعض القطع المتناثرة. صار لدينا:

الدعوة إلى الجهاد في سوريا

الترويج للإخوان 

معارضة التوجه العالماني

ما هو – في الحقيقة – مشروع اسطنبول

طابور إسطنبول الطويل الممتد إلينا..

تبقى لدينا سؤال مركزي آخر في رواية الواشنطن بوست، والإعلاموباما:

لماذا خرج جمال خاشقجي من السعودية؟ السبب الذي تقدمه الواشنطن بوست هو الاعتراض على ملف الحريات، وعلى حرب اليمن. فهل هذا صحيح؟ 

من ناحية الحريات، ونستطيع هنا أن نبقى مع الإعلام الغربي، لم تكن السعودية قبل بن سلمان دولة مشهود لها بحرية التعبير. منذ أن تعلمنا قراءة السطور الإنجليزية ونحن نقرأ في الصحافة الغربية أن السعودية دولة تشدد ديني لا تسمح بحرية الصحافة. 

الفارق أنه بعد صعود بن سلمان حدثت انفراجة في بعض ملفات الحريات الشخصية، كمواجهة التشدد الديني المؤسسي المتمثل في هيئة الأمر بالمعروف، مرورًا بافتتاح سينمات واستضافة حفلات موسيقي، وصولًا إلى قيادة المرأة للسيارة، وهي خطوة أجلها كل من سبقه، كما أنها مقدمة لملف أكبر هو الولاية. هناك أيضًا الإعلان عن مشروع سياحي ثقافي غير مسبوق ولو بمجرد الطرح في السعودية، هو مشروع نيوم. 

مضطر هنا مرة أخرى إلى التصريح، حتى لا يتوه المعنى، بأن السعودية لم تتحول إلى قبلة حريات، إنما الفكرة هي أن الملف قديم، منذ أن كان جمال خاشقجي يقدم نفسه على أنه مقرب من الديوان الملكي وليس كمدافع عن الحريات، وأن التغير – كبيرًا كان أم طفيفًا – حدث في ملفات أخرى تتعلق بالحريات الشخصية، بعد وصول بن سلمان إلى ولاية العهد.

ما أغضب خاشقجي – لو شئنا الدقة – هو ”امتداد“ التضييق ليشمل الإسلامجية، بعد أن نعموا باستثناء من التضييق لفترة طويلة، كان التضييق فيها مقتصرًا على أصحاب الأفكار الأخرى مثل رائف بدوي.

أما حرب اليمن فهذه أقرب إلى مزحة. جمال خاشقجي كان مؤيدًا لحرب اليمن حين كان التحالف العثماني في قطر وتركيا مؤيدًا لها، أما اعتراضه عليها فكان على استثناء الضلع الثالث من التحالف العثماني من الحل، وأقصد به حزب الإصلاح/ الإخوان المسلمين. 

هذا يتسق تمامًا مع استمرار تأييد خاشقجي للحرب في سوريا. أليس كذلك؟

بلى.

فمن هو جمال خاشقجي إذًا؟ إن كان يقول إنه ليس من الـ Muslim Brotherhood . 

هذا سؤال يحتاج إلى إجابة طويلة، لكنني سأكتفي بقطعة بازل مقتضبة.

في عام ١٩٩٩ انشقت جماعة الإخوان إلى فئتين، الإخوان القطريين، والإخوان المصريين. المشروع القطري هو ما نطلق عليه حاليًا التحالف العثماني. الذي يقوده من إسطنبول رجب طيب أردوغان. ويؤيده ”الإخوان الجدد“ في كل مكان. أن أردت ”زوم إن“ على قطعة البازل هذه يمكنك مطالعة رواية صحفية أخرى فصلت فيها الموضوع.

غزو الكويت دشن المشروع الإخواني القطري | دقائق.نت

أما أنا فأستطيع الآن أن أرص قطع البازل التي قدمتها مرتبة في عدة نقاط، في رواية متسقة من وجهة نظري. 

1.جمال خاشقجي ليس من الإخوان المسلمين التقليديين، لكنه من الإخوان الجدد، الذين نسميهم التحالف العثماني.

2. بوصول بن سلمان إلى الحكم، وقطيعته مع الإخوان، انحاز جمال خاشقجي إلى الحلف العثماني.

3. التحالف العثماني يسعى إلى إعادة الخلافة الإسلامية انطلاقًا من اسطنبول، وعبر تثبيت أقدامه في ما استطاع من دول ثم الوصل بينها. ليس هذا مشروعًا ديمقراطيًا، إنما مشروع أممي توسعي.

4. الخلاف حول اليمن منطلق من هذا الانحياز، من الرغبة أن يكون لحزب الإصلاح / الإخوان المسلمين، موطئ قدم هناك.

5. مسؤولون سعوديون مسؤولون عن قتل خاشقجي داخل القنصلية في إسطنبول، ولا بد من محاكمة هؤلاء الجناة. 

ليس في أي مما ذكرته في هذه الرواية الصحفية أي علاقة بجريمة خاشقجي ولا ملابساتها، لا تبريرًا ولا استدراكًا. قتل خاشقجي جريمة بشعة يجب محاسبة المسؤولين عنها بلا تهاون.

هذه الرواية الصحفية مجرد رد على الرواية التي يقدمها الإعلاموباما وامتدادته في الإعلام العربي ومقلدوه. وغرضي من الرد على الرواية ليس شخص جمال خاشقجي، بل إدراكًا لخطر استغلال قضية خاشقجي لـ ”تجميل“ مشروع الخلافة التركي.

بهذه الطريقة تستطيع بالإعلام أن تحقق هدفين بدلًا من واحد

لا تقتل Thou shalt not kill

لا تكذب Thou shalt not lie

أقلام حرة

المصدر: خالد البري-دقائق

الإثنين 26 تشرين الثاني , 2018 05:24
تابعنا على
أخبار ذات صلة
الأحدث
شاشة الواقع السعودي
من نحن
.
نبذة عن الموقع
.
إتصل بنا
.
شروط الاستخدام
© 2018 - الواقع السعودي. جميع الحقوق محفوظة.
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي